أظهرت دراسة علمية نشرتها مجلة «Nature Neuroscience» أن التصنع وادعاء قيمة غير مستحقة يقللان من استجابة «اللوزة الدماغية» (Amygdala)؛ مما يؤدي إلى تكيف الدماغ تدريجياً مع الزيف، وهو الأمر الذي يعدم الشعور بالذنب مع مرور الوقت. كما بينت الدراسة أن الأشخاص الذين يمارسون الخداع المرضي المستمر يعانون من خلل وظيفي في قشرة الفص الجبهي؛ مما يسهل عليهم بناء روايات مزيفة واختلاق أكاذيب دون أي ارتباك عاطفي أو تأنيب ضمير.
(2)
درجة «الدكتوراه» الحقيقية لا تُنال إلا بعد رحلة طويلة ومضنية من التعب، والسهاد، والشقاء، والتضحية؛ وبعد نيلها يصبح حاملها مرجعية متخصصة في مجاله. تلقي هذه الشهادة الرفيعة بظلالها الرصينة على «الشخصية»، وعمق أطروحاتها، وحديثها، وعملها، وجهدها في نشر الوعي؛ فالمرء يجب أن يحترم ذاته، وألا يلبس ثوباً فوق ما يستحقه، لئلا تهوي به المجازفة في قاع «الامتهان» سبعين خريفاً!
(3)
«نحن في زمن التصنع».. قالها لي مخرج مخضرم ونحن نغادر ملتقى فني، وذلك بعد أن أخبرته بأن «الدكتور» الذي صعد المسرح وتحدث بسطحية شديدة عن الإنتاج الفني المحلي، لا يحمل شهادة دكتوراه حقيقية! إذ لا يمكن لحامل شهادة عليا أصيلة ألا يكون مختصاً ومتبحراً في مجاله، وألا يتحدث بعمق يروي الظمأ المعرفي ويشفي العي بإجابات كافية وشافية.
(4)
حان الوقت لأن نكشف «الأدعياء والمتصنعين» ونقصيهم عن تصدر المشهد؛ فالشعر ليس مجرد كلام مرصوف، بل هو بيان ساحر، والتمثيل ليس تلقيناً لكلمات محفوظة أمام الكاميرا، بل هو تجسيد وأداء مؤثر، والرسم ليس مجرد مزج للأحمر فوق الأصفر، بل هو عمق بصري يحفزك للمحاولة، والنقد ليس مجرد اعتراض عشوائي، بل هو أسس علمية، وأدوات منهجية، وتحليلات دقيقة.
(5)
ينطبق هذا الأمر حتى على بعض أدعياء التدين؛ فالثوب القصير واللحية لا يكفيان وحدهما لكي يُستفتى الشخص في شؤون الدين والدنيا، أو يتصدر لعلاج الناس بالبصق والماء والزيت وتفسير الأحلام. إن الفتوى والوعظ بحاجة ماسة إلى علم راسخ، ومعرفة حقيقية، وتجربة عميقة، وجهود ملموسة ومثمرة على أرض الواقع.
(6)
يجب علينا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، التخلص من هذه «السذاجة» المجتمعية، وتنقية مختلف المجالات الفكرية والعلمية من الأدعياء والمتطفلين، والعودة إلى احترام التخصص، والذهاب دوماً للمختصين الحقيقيين، والدعوة الشديدة لتكريس هذا المبدأ.
(7)
«لستُ بالخِبِّ ولا الخِبُّ يخدعني».
الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه