أثارت الانتخابات الأخيرة لمجلس إدارة الاتحاد السعودي لكرة القدم أسئلة تتجاوز أسماء المرشحين والقوائم إلى مسألة أهم بكثير، سلامة العملية الانتخابية، ووضوح قواعدها والحدود الفاصلة بين تطبيق اللائحة وبين شروط جديدة أثناء التطبيق.

فالجدل الذي صاحب إخضاع المرشحين لرئاسة الاتحاد لتقييم اللغة الإنجليزية لدى المتقدمين لا ينبغي أن يُختزل في سؤال سطحي:

هل يجب أن يعرف رئيس الاتحاد الإنجليزية؟بل السؤال القانوني الأدق هو: ماذا تقول اللائحة؟ ومن يملك تفسيرها؟وكيف يُثبت تحقق الشرط؟وهل كانت وسائل القياس ومعايير النجاح دقيقة ومعلومة للمرشحين قبل دخول السباق؟


شرط إتقان اللغة الإنجليزية ليس وليد انتخابات 2026 فقد كان موجوداً ضمن شروط الترشح للرئاسة في المادة 33 من النظام الأساسي، ولم يطبق على المُرشح في انتخابات 2019 و 2019، حتى لوكان قد فاز بالتزكية، وبالتالي فإن الاعتراض القانوني الصحيح لا ينبغي أن يقوم على القول إن الشرط جاء فجأة. لكن المشكلة في تحويله إلى امتحان إقصائي، فعند اشتراط إتقان اللغة الإنجليزية، كانت هذه العبارة فضفاضة وتحتاج إلى معايير تفصيلية، توضح ماهو المقصود بالإتقان؟

هل هو مستوى B1 أم B2 أم C1؟ وإن كنت أرى أن مستوى B2 معقول لرئيس اتحاد وطني فهو يدل على قدرة عملية على التواصل، وفهم النصوص والمناقشة، وليس أن يكون المرشح متحدثًا بمستوى أكاديمي، وهل كان لهذا التقييم علاقة بامتحانات معروفة مثل الأليتس والتوفل؟ وهل كان المطلوب التحدث فقط أم القراءة والكتابة والاستماع أيضاً؟ وهل ثُبّت بشهادة دولية معتمدة أم اكتفى بمقابلة شخصية عابرة؟ وهل تم بامتحان موحد؟وما الدرجة التي تعتبر نجاحاً ومحددة مُسبقاً؟ وهل كانت هناك أسئلة موحدة لجميع المُرشحين؟ وهل كانت هناك معايير مكتوبة ومُعلنة مسبقاً؟ وهل كان هناك أكثر من مُقيم لتحقيق أعلى مستوى من العدالة والشفافية؟ ولماذا لم تكن اللجنة المُقيّمة للغة الإنجليزية مُستقلة عن لجنة الانتخابات؟

ضمان العدالة لا يكون بإلغاء الشرط بالضرورة، وإنما بتحويله من تقدير شخصي قابل للاجتهاد، إلى اختبار معياري موضوعي ومنظَّم، وكان يمكن الاستفادة هنا من فلسفة OSCE المستخدمة في الاختبارات الطبية، وبتطبيق نموذج مماثل لتقييم اللغة عبر محطات مستقلة تشمل: المحادثة والاستماع والقراءة والكتابة، ومحاكاة موقف وظيفي مرتبط بعمل الاتحاد، بحيث يخضع جميع المرشحين للظروف والأسئلة والمعايير الزمنية والتقييمية نفسها، ويُحدد مسبقاً مستوى الإجادة المطلوبة وفق معيار دولي مثل CEFR (الإطار الأوروبي المرجعي المشترك للغات)، وهو إطار معياري دولي واسع الاستخدام لوصف مستوى إتقان اللغة بصورة موحدة، ويقسم الكفاءة إلى ستة مستويات «A1 مبتدئ وA2 أساسي وB1 متوسط وB2 فوق المتوسط وهذا المستوى لمن يستطيع التواصل بفاعلية وفهم نصوص ومناقشات أكثر عملية، وهذا ما نطالب به كمستوى مطلوب في المرشحين، وC1 متقدم وإتقان عالي وC2 إتقان عالٍ جداً قريب من مستوى المتحدث المتمكن». والميزة المهمة أن CEFR لا ينظر إلى إجادة الإنجليزية كحكم عام، بل يمكن تقييم الاستماع والقراءة والتحدث والكتابة والتفاعل وفق مستويات محددة. لذا كنا ننتظر إن كان لابد من تنفيذ هذا الشرط أن يشترط مستوى B2 كما أسلفنا مع وضع Rubric (معايير التصحيح والتقييم المحددة مسبقاً) واضح لكل محطة، والاستعانة بممتحنين مستقلين، وإخفاء هوية المتقدم، وتسجيل الاختبارات الشفهية، وإتاحة حق مراجعة النتيجة والاعتراض عليها.

فالـCEFR نفسه يتيح قياس المهارات اللغوية بصورة منفصلة وفق مستويات معيارية من A1 إلى C2.

انتخابات الاتحاد لعام 2026 تنص على أن شروط المرشح للرئاسة تُحدد وفق النظام الأساسي، كما تمنح اللجنة الانتخابية صلاحية دراسة الملفات، والتأكد من استيفاء الشروط المنصوص عليها، واستبعاد من لا تنطبق عليه تلك الشروط، كما تجعل الشفافية والإعلان عن إجراءات الانتخابات من المبادئ الحاكمة للعملية الانتخابية، وبالتالي فإن اللجنة تملك التحقق من الشرط.

لكنها مسألة مختلفة تماماً عن أن تتحول وسيلة التحقق نفسها إلى شرط موضوعي جديد، لم يكن محدداً بصورة مسبقة.

فإذا كان النص يقول (إتقان الإنجليزية) ثم قررت الجهة المنظمة أن الإتقان لا يثبت إلا بمقابلة مطولة تجريها شركة خارجية فإن السؤال يصبح: هل نُشر ذلك قبل فتح باب الترشح؟وهل أُعلن مستوى النجاح المطلوب؟ وهل كانت هناك أسئلة أو محاور موحدة؟ وهل جرى تقييم جميع المرشحين بواسطة الأشخاص أنفسهم وفي ظروف متقاربة؟ وهل توجد درجات مكتوبة يستطيع المرشح الاعتراض عليها؟

وهذه ليست تفاصيل شكلية، هي ضمانات العدالة الإجرائية نفسها، فالقواعد القانونية يجب أن تسبق المنافسة، لا أن تتشكل أثناءها، والمرشح ينبغي أن يعرف قبل أن يقدم ملفه ليس فقط أن الإنجليزية مطلوبة، وإنما إذا كان عدم اجتياز اختبار معين سيؤدي إلى إسقاط حقه في الترشح، خصوصاً أن التقارير المنشورة تحدثت عن الاستعانة بشركة بريطانية لإجراء المقابلات، وتقييم المرشحين والاستعانة بجهة متخصصة ليست عيباً في ذاتها، وقد تعزز الاستقلالية. ولكنها تثير سؤالاً مهماً: أين الإطار المعياري الذي كانت تعمل وفقه؟ فالشركة مهما بلغت خبرتها لا يفترض أن تتحول إلى جهة تملك عملياً تقرير من يحق له دخول انتخابات رئاسة اتحاد وطني.

غياب التفصيل المسبق لآلية الإثبات قبل فتح باب الترشح يُضعف الشفافية، وكان الأولى من ناحية قانونية سليمة أن تُحدد كل تلك التفاصيل عبر الجمعية العمومية، لأننا هنا لن نكتفي بالمادة 33/2/د والتي تنص على (أن يكون متقنًا للغة الإنجليزية)، لأنها في النص نفسه لا تحدد مستوى الإتقان ولا اختبارًا معينًا ولا درجة نجاح ولا جهة تقييم يُستعان بها، ولا على الإقصاء لمن لا يجتازه. وهذا يجعل مسألة كيفية إثبات الإتقان منفصلة عن مجرد وجود الشرط في النظام، وهذا يُشكّل ثغرة قانونية واضحة. ولكن للأسف فقد اعتمدت لجنة الانتخابات على المادة 27 / الفقرة 3 الواردة في الأحكام الختامية من لائحة الانتخابات، والتي تنص على (جميع المسائل المتعلقة بالانتخابات والتي لا تغطيها هذه اللائحة تخضع للسلطة التقديرية للجنة الانتخابات، ويجوز لها استبعاد أي قائمة أو أحد أعضائها في حال مخالفة أحكام النظام الأساسي للاتحاد أو لوائحه أ هذه اللائحة أو الأنظمة الأساسية الدولية ولوائحها). وهذه القاعدة تتعارض مع المبادئ المستقرة في الحوكمة والعدالة الإجرائية في أن الشروط الجوهرية للأهلية الانتخابية لا تُترك للسلطة التقديرية المطلقة للجنة، بل يجب أن تُكمَّل وتُفصَّل بنص واضح ومعايير معلنة مسبقاً، صادرة عن الجهة التشريعية المختصة، لا أن يُترك لتقدير للجنة مؤقتة. فالسلطة التقديرية وُجدت لمعالجة المسائل الإجرائية الفرعية والمفاجآت العملية، لا ابتكار معايير أهلية جديدة بأثر رجعي أو فوري دون سند نصي واضح.

والرجوع للجمعية العمومية في هذه الحالة كان ضروريا وحتميا، والتي سوف تمنحها سلطة تقديرية في المسائل التي لم تغطِّها اللائحة أو النظام الأساسي.

بعيداً عن الملاحظات القانونية والعوار الذي أصاب قرارات اللجنة نعود ونقول، إن معرفة الإنجليزية ميزة مهمة بل قد تكون مهارة عملية ذات قيمة كبيرة للمنصب، لكن أهمية المهارة لا تعني تلقائياً أن قصور المرشح في جانب لغوي معين يستوجب إهدار خبراته الإدارية والرياضية كلها، ومنعه أصلاً من عرض برنامجه على الجمعية العمومية، ولماذا لا يكون إتقان اللغة الإنجليزية عنصراً من ضمن عناصر أخرى مهمة وربما أهم، ويكون لهذا العنصر اللغوي قيمة وثقلاً متساويا مع العناصر الأخرى للخروج بمحصلة نهائية عادلة، ونبتعد عن التركيز على مجرد عنصر يتيم وانتقائي وإقصائي!!

فرئيس الاتحاد ليس مترجماً ولا مدرس لغة إنجليزية، وإنما قائد لمنظومة رياضية كبرى، تحيط به أمانة عامة وفرق قانونية ودولية ومترجمون محترفون، وتحويل (الإتقان) إلى شرط استبعادي صارم، يثير تساؤلات مُريبة!

فالفيفا نفسه لا يشترط إجادة الإنجليزية في شروط الترشح لرئاسة الفيفا، وكثير من رؤساء اتحادات كبرى (إسبانيا، إيطاليا، فرنسا، البرتغال سابقاً) لم يكونوا يتقنون الإنجليزية بطلاقة، لأن اتحاداتهم لم تضع هذا الشرط، مثلها مثل معظم الاتحادات العالمية، وكانوا جميعاً يعتمدون على مترجمين وفرق متخصصة، والاتحاد الآسيوي يعتمد العربية والإنجليزية كلغتين رسميتين، كما أن الاعتماد على مترجمين محترفين أو فريق إداري قوي، يمكن أن يسد الفجوة دون حرماننا من كفاءات إدارية أو كروية محلية، هذا إذا افترضنا واقعية وعدالة ما تم.

وعندما تنتهي انتخابات يفترض أنها تنافسية، إلى قائمة واحدة بالتزكية نتيجة عمليات فحص واستبعاد واسعة، لأن التزكية الناتجة عن منافسة حقيقية شيء والتزكية التي تأتي بعد سقوط معظم المنافسين على بوابات الفحص العشوائي شيء آخر، ويستحق أن تُضاء كل تفاصيله، ليس تشكيكاً في أحد، بل حفاظاً على هيبة الاتحاد نفسه، فحين تكون رياضتنا بهذا الحجم، يجب أن تكون إجراءات اختيار قيادتها أكبر من الشبهة، وأوضح من التأويل، وأبعد ما تكون عن الاجتهادات الغامضة.