قلت في مقالي السابق: «لن أعود إلى السرد التاريخي لمراحل الصناعة العسكرية السعودية التي عشناها وراقبناها على مدى سنوات؛ كيف كانت الصناعة قبل رؤية 2030، وكيف انتقلت المملكة إلى هدف طموح يتمثل في توطين ما يصل إلى 50 % من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030، وما تحقق خلال هذه الرحلة من نجاحات وإخفاقات. أرشيف مقالاتنا موجود، وفيه سرد تفصيلي لهذه المراحل». وتوقفت عند سادسا، وأتابع الآن.

سابعا، وأكرر أيضًا ما قلته سابقًا: لا ينبغي أن يكون تصورنا لتوطين وتطوير الصناعة العسكرية قائمًا على الاعتماد على الشركات الغربية.

نحن نعرف مساراتهم، وألاعيبهم وحبالهم الطويلة ونعرف طول إجراءاتهم، ونعرف مساميرهم! ونعرف أن لكل دولة وشركة مصالحها وحساباتها، وهناك تجارب وقصص كثيرة في هذا المجال لا يتسع المقال لسردها.


العالم الصناعي العسكري اليوم أكبر بكثير من الغرب وحده. يجب أن ننظر شرقًا، إلى آسيا، وإلى المنطقة، وإلى جنوب إفريقيا، وربما إلى أمريكا الجنوبية، وأن نبني شراكات متعددة الاتجاهات، لا شراكات أحادية الاتجاه.

ثامنا، ستواجه أي مرحلة تغيير، عقليات تحارب التغيير، عاشت طويلًا مع الأسلحة التقليدية. وهذا أمر طبيعي.

من قضى عقودًا في منظومة معينة، وبنى خبرته وسمعته ومكانته عليها، قد يجد صعوبة في تقبل أن جزءًا كبيرًا من تلك المنظومة أصبح أقل أهمية، وأن طبيعة الحرب تغيرت، وبالتالي تغيرت قيمة خبرته نفسها لذلك يحاول محاربة التغيير!

لا ينبغي أن نلوم هؤلاء الأشخاص. لكن في المقابل، لا يجوز أن تكون خبرة الماضي عائقًا أمام متطلبات المستقبل، لكن صلاحية الخبرة مرتبطة بصلاحية البيئة التي نشأت فيها.

في عصر الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية والدرونات والحرب الإلكترونية، تقل الحاجة إلى خبرة الماضي، ونحتاج معها إلى جيل جديد يفهم المستقبل.

تاسعا، المشكلة أحيانًا ليست في المسؤول... بل في المحيط، وهذا أحد الأسباب التي جعلتني مترددًا في كتابة هذا المقال.

التقيت خلال السنوات الماضية بعدد من المسؤولين في هذا المجال، وكان كثير منهم متحمسًا للاستماع عند وصوله إلى موقع المسؤولية.

ثم مع مرور الوقت، تبدأ دائرة المحيطين به في الاتساع. ويبدأ البعض بإقناعه بأنهم يمتلكون الحقيقة الكاملة:

«نحن أدرى... نحن نعرف... نحن أهل المجال... لا حاجة للاستماع إلى الآخرين». وهنا تبدأ المشكلة.

رسالتي للمسؤول الجديد بسيطة:

استمع إلى الجميع، استمع إلى فريقك، وإلى العاملين في القطاع، وإلى الشركات، وإلى الخبراء، وإلى الأكاديميين، وإلى أصحاب التجارب المختلفة، وحتى إلى من يختلف معك.

ثم اتخذ قرارك، أنت المسؤول، وأنت من يقود السفينة، ولذلك لا تجعل أذنك حكرًا على مجموعة واحدة مهما كانت خبرتها أو قربها منك.

وأخيرًا... وهذه نقطة يسألني عنها دائمًا تقريبًا كل مسؤول نلتقي به في هذا المجال. وللاختصار، وحفاظًا على الوقت:

ليس لدينا أي أجندة خفية، ولا مصالح تجارية، ولا تضارب مصالح في قطاع الصناعة العسكرية. وقد بحث بعض المسؤولين السابقين في ذلك بأنفسهم، وبطرق مختلفة، ووصلوا إلى النتيجة نفسها.

وربما تكون الحيادية أحد الأسباب - بعد توفيق الله - التي تجعل بعض توقعاتنا واتجاهاتنا في هذا القطاع تصيب مسارها بدرجة جيدة؛ لأننا لا نكتب لصالح شركة، ولا ضد شركة، ولا لمصلحة مستثمر، ولا للحصول على عقد.

نكتب لأننا نعتقد أن هذا القطاع أكبر من كل ذلك. الصناعة العسكرية ليست مجرد قطاع صناعي أو اقتصادي. إنها في جوهرها أمن وطني حيوي لكل دولة تريد أن تحافظ على استقلال قرارها، وأن تمتلك القدرة على حماية مصالحها، وألا تكون رهينة لابتزاز الآخرين.

الوزير بندر الخريف، أنت لا تبدأ من الصفر، ولديك معرفة سابقة بالصناعة والقطاع، وهذه ميزة مهمة. لكن المرحلة القادمة مختلفة.

العالم لا ينتظرنا.

طبيعة الحرب تتغير بسرعة، والتكنولوجيا تتغير بسرعة أكبر، ومن يملك القدرة على التعلم والتكيف والإنتاج والتطوير بسرعة هو من سيمتلك ميزة إستراتيجية حقيقية. لذلك، لا تجعل هدفنا مجرد تحقيق رقم 50 %.

اجعل الهدف أن تصبح المملكة مالكة لقدرات وتقنيات عسكرية متقدمة حقيقية، قادرة على التطوير والتعديل والإنتاج والتوسع، وقادرة على بناء منظومة صناعية محلية وإقليمية ذات قدرة تنافسية عالمية. والله يوفقكم في مهمتكم.