يمكن إيجاد تشابه جزئي بين خوف الطفل من الظلام والجن والأشباح، وفلسفة نيتشه عن القوة.
كلاهما ينطلق من فكرة أن الإنسان لا ينبغي أن يكون أسيرا للخوف أو الضعف. والمطلع على فلسفة نيتشه يلاحظ بوضوح كبير أنه يحمل ثقافة موروثة تجعله مرعوبا وخائفا من الوجود في العالم المادي. فالعالم من منظوره ليس إلا مساحة للألم والصراع والفناء وغياب المعنى والفراغ الروحي الرهيب. نيتشه يشعر أنه محكوم بالوحدة الكونية وهو إحساس أنه يقف أمام وجود هائل وصامت وموحش وسوداوي لا يقدم أي ضمانات جاهزة.
كيف اكتسب نيتشه هذه المشاعر بالوحدة والرعب الكوني الذي انعكس على عقليته وفلسفته وطبعاها بطابع السوداوية والتشاؤم والخوف. نيتشه يشعر برعب السقوط من عالم المعنى إلى عالم الصمت ورعب مواجهة الوجود العدمي. وهنا نستطيع تبين نقاط مشتركة مع الإنسان الغنوصي الذي يشعر بأنه غريب عن موطنه الأصلي ويعيش في عالم مادي ناقص وموحش وكأنه سقط من عالم نوراني أعلى إلى عالم سوداوي أدنى. نيتشه يشعر بإحساس مشابه فهو يشعر أن الإنسان الحديث يعيش أزمة عميقة وحياة مغتربة في عالم لا يقدم له ضمانات ميتافيزيقية.
فلسفة نيتشه تحمل جذورا وملامح غنوصية وتشابها بنيويا مع العقائد الغنوصية. صحيح أن فلسفته تمردت على الغنوصية ولكن هذا لا ينفي كونها حالة تطورية عن الغنوصية القديمة. الإنسان الغنوصي ينظر للعالم المادي بوصفه سجنا أو مرتبة أدنى. أما نيتشه فينقلب على هذه الفكرة ويدافع عن الجسد والمادة وينتقد أي فلسفة تحتقر الحياة المادية. ولمواجهة الثقافة الغنوصية وأساطيرها التي تشبع بها نيتشه، أنتج فكرا مقاوما للاغتراب الغنوصي، والخوف من صمت العالم وعدميته. فلسفة نيتشه هي فلسفة مقاومة للثقافة الغنوصية القديمة.
فلسفة القوة عند نيتشه هي رد فعل لتجربة العجز والضعف والاغتراب في الثقافة الغنوصية القديمة. كي لا ينهار الإنسان أمام العالم المادي الموحش والصامت والعدمي، فهو ملزم بتبني إرادة القوة. القوة هنا بديل للخلاص الغنوصي. فلسفة القوة هي استجابة حديثة وأسلوب حياة لمقاومة العجز والرعب الكوني.
الإنسان الغنوصي يؤمن أن العالم المادي فيه خلل والخلاص يكون بالتحرر منه، بينما يؤمن نيتشه أننا يجب أن نتجاوز ضعفنا أمام العالم المادي، فالمشكلة ليست في العالم بل في ضعف الإنسان أمامه. مثل هذه الأساطير أنتجت مفهوم نيتشه عن الإنسان الأعلى (السوبرمان) وهو الإنسان الذي يواجه العالم المادي الخالي من المعنى، ويمتلك قدرة استثنائية على خلق القيم.
نلاحظ أن فلسفة نيتشه المناهضة للمسيحية، دافعها اعتقاده أن هناك عناصر غنوصية وآثاراً أفلاطونية تسربت للمسيحية كأخلاق الضعف والزهد واحتقار الحياة.
فلسفة نيتشه ما كان لها أن تظهر على السطح لولا تشبعه بالأساطير القديمة التي كانت سائدة في الثقافة الألمانية القديمة، ونجد أثرها واضحا للعيان في أعمال فلاسفة ألمانيا. فالتراث الغنوصي ظل مؤثرا لقرون طويلة في الثقافة الألمانية وفي نظرتها للكون والحياة.