ثمة تحول عميق في طريقة النظر إلى الوطن، أحدثه سمو الأمير محمد بن سلمان فينا، وذلك بعد أن نقل مفهوم الوطن من مجرد أرض نعيش عليها، أو شعور وكلمات تتردد في المناسبات إلى مشروع يبنى، ومسؤولية تمارس، ومواطن يشارك في صناعة الحاضر والمستقبل.

ولعل هذا من أبرز التحولات التي يمكن قراءتها في مشروع سمو الأمير؛ فقد انتقل بمفهوم الوطن من كونه حقيقة جغرافية وتاريخية مستقرة إلى كونه مشروعًا حيًا يتجدد بالإنجاز والطموح والعمل.

فالوطن الذي نحب لا يكفي أن نحبه، بل ينبغي أن نكون قادرين على إضافة شيء إليه، وهنا تكتسب الوطنية معناها العملي، فالوطنية ليست في رفع الشعارات وحدها، وإنما في أن يؤدي كل إنسان دوره على الوجه الذي يجعل وطنه أكثر قوة وتقدمًا واستقرارًا، فالمعلم حينما يعلم بإخلاص، والطبيب حينما يؤدي رسالته، والمهندس حينما يبني، والباحث حينما ينتج المعرفة، ورجل الأعمال حينما يستثمر، والشاب حينما يطور قدراته؛ كل هؤلاء يمارسون الوطنية، حتى وإن لم يرفع أحدهم شعارًا وطنيًا، «فالإنجاز أحد أرقى أشكال الوطنية وأهمها».


ومن هنا يمكن فهم مركزية المواطن في المشروع الذي يقوده سمو الأمير محمد بن سلمان، فالمواطن ليس متلقيًا للتنمية فحسب، بل شريك فيها، وليس مستفيدًا من المستقبل فقط، بل أحد صانعيه. ولهذا كان الاستثمار في الإنسان السعودي وتأهيله وتمكينه ورفع قدرته على المنافسة جزءًا أساسيًا من مشروع التحول.

إن العلاقة بين الوطن والمواطن في هذا التصور ليست علاقة ذات اتجاه واحد؛ فكما توفر الدولة لمواطنيها فرص البناء والنمو، ينتظر من المواطن أن يبادل وطنه ذلك بالعمل والمسؤولية والمشاركة.

ولعل أحد أعمق أوجه التحول أن الوطنية أصبحت أكثر قدرة على استيعاب التنوع الاجتماعي، من خلال تقديم الانتماء الوطني بوصفه الدائرة الجامعة التي تلتقي فيها الاختلافات كلها، فالإنسان قد ينتمي إلى مدينة أو منطقة أو قبيلة أو بيئة اجتماعية، وقد يحمل اهتمامات وأفكارًا متعددة، لكن هذه الدوائر لا ينبغي أن تتحول إلى بدائل عن الوطن أو منافسة له، فالوطن هو الإطار الأوسع الذي يجمع الجميع.

ومن هنا تبرز أهمية الوطنية في مواجهة الأيديولوجيا؛ إذ لا يمكن لأي جماعة أو مشروع عابر للحدود أن يصبح أعلى من مصلحة الوطن، ولا يجوز أن يتحول الانتماء إلى فكرة أو تنظيم أو جماعة إلى ولاء ينافس الانتماء الوطني أو يضعفه، وهذا لا يعني أن الوطنية نقيض الدين أو الثقافة أو الانفتاح، وإنما يعني أن الوطن يجب أن يبقى المجال الجامع الذي تمارس داخله الاختلافات، لا الساحة التي تستباح لحساب مشاريع أخرى، ولذلك فإن تحرير الإنسان من الأيديولوجيا التي تختطف وعيه، في أحد أبعاده، استعادة لحقه في أن يرى وطنه كما هو، لا كما تريد له الأيديولوجيات أن يراه.

وفي المقابل، فإن الوطنية التي تتشكل في فكر سمو الأمير محمد بن سلمان ليست وطنية منغلقة على ذاتها؛ بل هي وطنية واثقة من نفسها، ولذلك تستطيع أن تنفتح على العالم، فمن يعرف قيمة وطنه لا يحتاج إلى الانغلاق لحمايته، ومن يثق بهويته لا يخشى التواصل مع الآخرين، ولهذا تبدو المملكة في مشروعها الجديد أكثر حضورًا في العالم، وأكثر انفتاحًا على الاستثمار والمعرفة والخبرات والثقافات، ولكن من موقع الثقة بالمكانة السعودية، لا من موقع البحث عن هوية خارجية.

إن الوطنية الواثقة لا تقول: نحن أفضل لأننا مختلفون، وإنما تقول: «نعرف من نحن، ونعرف ماذا نريد، ونستطيع أن نتفاعل مع العالم دون أن نفقد أنفسنا».

وإذا كان التاريخ هو ما ورثناه من الماضي، والموروث هو ما بقي منه حيًا في حاضرنا، فإن الوطن هو المساحة التي نلتقي فيها بالماضي والحاضر والمستقبل معًا.

وهنا تظهر فكرة أخرى شديدة الأهمية: «الوطنية ليست مسؤولية تجاه الحاضر فقط، بل مسؤولية تجاه الأجيال القادمة»، وهي المسؤولية التي أخذها سمو الأمير على عاتقه، حينما سئل عما بعد 2030، جاءت إجابته المختصرة والواثقة بأربعة أرقام فقط: 2040.

فالوطن ليس ما استلمناه من آبائنا فحسب، وإنما ما سنسلمه إلى أبنائنا، ولذلك فإن بناء الاقتصاد، وتطوير التعليم، وتمكين الإنسان، وحماية البيئة، وتنويع مصادر الدخل، وتطوير المدن، وصناعة الفرص؛ كلها أعمال وطنية لأنها تتجاوز اللحظة الراهنة إلى سؤال المستقبل: أي وطن سنترك لمن سيأتي بعدنا؟ وهذا هو المعنى الأعمق للوطن بوصفه مشروعًا.

ولعل التحول الأكبر الذي يصعب قياسه بالأرقام هو أن هذا المشروع أعاد للإنسان السعودي «الثقة بوطنه والثقة بنفسه»، فحينما يرى وطنه قادرًا على المنافسة، وحينما يرى طموحاته تتحول إلى مشروعات، ويجد الأبواب مفتوحة أمامه للمشاركة والإنجاز، فإنه لا يصبح أكثر اعتزازًا بوطنه فحسب، بل يصبح أكثر استعدادًا للعمل من أجله، وعندها تتجاوز الوطنية حدود العاطفة إلى صناعة السلوك، ويتحول السؤال من: ماذا قدم لي الوطن؟ إلى: ماذا قدمت أنا لوطني؟

وهذا هو جوهر الوطنية في فكر سمو الأمير محمد بن سلمان: أن يتحول حب الوطن من إحساس إلى مسؤولية، ومن مسؤولية إلى عمل، ومن عمل إلى إنجاز، ومن إنجاز إلى بناء مستقبل مشرق.