«وداوني بالتي كانت هي الداء»، شطر بيت للمتنبي، الفهم المُباشر للإنسان العادي قد يتساءل «كيف يكون الدواء بالداء نفسه؟!»

هل يعقل أن يكون الحل الوحيد لمعالجة المشكلة بالاستزادة من المشكلة نفسها، كفكرة لا يمكن أن تتحول إلى واقع وإذا تحولت إلى واقع سيكون مصيرها الفشل، إذ كيف تعالج المشكلة بالاستغراق في المشكلة.

وفي شطر بيت للطغرائي في لامية العجم التي أضاءتها كنوز من الحكمة «والغيّ يزجرُ أحيانًا عن الفشلِ»، وهذه أخرى تحمل الفكرة نفسها، ولكن المنطق غائب عنها، فكيف يكون الغيّ سببًا في الزجر عن الفشل؟! – الحمد لله أنه قال أحيانًا – والغيّ عكس الرشد، والرشد عين الصواب، فكيف يزجر الغيّ عن الفشل، في حين أنه في الأساس من الطرق المؤدية إلى الفشل؟ هل الاستغراق في الشيء يؤدي إلى حالة شعورية بمقته وكراهته لدرجة التوقف عنه والإقفال عنه إراديًا.


عندنا مثل دارج «راعية امحَمْلة» وقصته باختصار أن امرأة خرجت من بيتها تحتطب من رؤوس الجبال، والمسافة التي تفصل بيتها عن مكان الحطب طويلة، وقد يكون فيها صعود وهبوط شاقين عند العودة، وعندما انتهت من جمعها ربطت حملة الحطب وحاولت رفعها فلم تتمكن من حملها لأنها ثقيلة، فعادت ووضعتها على الأرض وأضافت عُودًا ثم ربطتها وحملتها ورجعت مُقفِلَة إلى بيتها. يُفترض أن تخفف من الأعواد التي جمعتها ولكنها فعلت العكس!

من المفارقات العجيبة أن هذه الفلسفات أو الحكم – إذا اعتمدنا الترجمة الحرفية لكلمة فلسفة: حكمة – أثبتت صحتها في الحياة الواقعية، وعلى كل المستويات مع الأحداث ومع الأشخاص وفي كل القصص.

الاستغراق في الشيء ينضِّجه، إما بنجاحه مهما كانت إشارات الفشل تبدو واضحة وجلية في البداية، وإما أيضًا وضوح الرؤية بمستويات عالية، قرار الإقفال أو العودة أو التراجع كان قرارًا صحيحًا، والتراجع هنا جاء نتيجة حضور ومعايشة للتجربة بالكامل.

ويبقى السؤال مفتوحا، فقد أكون نجحت في تقديم تفسير صحيح، وقد أكون فشلت في ذلك، علمًا بأن هذا التحليل دون رجوع إلى شروحات القصائد للشاعرين الكبيرين.

كل حكمة وكل فلسفة وكل مثل أو قول مأثور سبقنا إليه من سبقنا، واستمر وأثبت جدارته بالوصول إلى العقول المتلهفة المستقبلة المستوعبة لما يتفوه به هؤلاء الفلاسفة والحكماء – ودون مبالغة متخصصين في علم النفس - تستحق منا أن نتوقف أمامها بل نلوح بها بزهو وبفخر أولًا: لأننا بحاجة ماسة لهذا المستوى العميق من الحكمة. وثانيًا: لأن بصماتهم وحكمتهم ونقلهم إياها لنا، تستحق ذلك الزهو وذلك الفخر تقديرًا لهم وامتنانًا لما قدموا وتركوا، لأنهم خاضوا المعركة وقدموا نتائجها وخلاصتها كما هي مُذيلة بتوقيعهم، غير خائفين ولا متوجسين.