المشكلة أننا نريد لطف الله بالشكل الذي نختاره نحن؛ نريد الفرج فورًا، والجواب واضحًا، والباب مفتوحًا، والطريق مستقيمًا بلا منعطفات. وإذا تأخر ما نريد، بدأنا نفاوض الحياة كأنها موظف خدمة عملاء: لماذا لم يصل طلبي حتى الآن؟!
لكن الله سبحانه لا يُقاس تدبيره بعجلة الإنسان، ولا تُحد حكمته بما تراه أعيننا في اللحظة العابرة. هو الواحد الأحد، لا شريك له، المنزّه عن الظلم والنقص، الرحيم بعباده، العليم بما يصلحهم، الحكيم في أفعاله، وقد قال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.
وهذه الآية ليست وعدًا بأن الحياة ستخلو من الألم، وإنما تفتح في قلب المؤمن معنى أعظم: أن الإنسان حين يتوكل على الله لا يصبح بلا مشكلات، لكنه لا يعود وحيدًا أمامها؛ يأخذ بالأسباب، ويسعى، ويجتهد، ثم يترك ما لا يملك لله، لأنه يعلم أن الله بالغ أمره، وأنه سبحانه لا يعجزه شيء.
ولهذا قال النبي ﷺ لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما: "واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك".
تأملها جيدًا: كم من شيءٍ ظننته خسارة، ثم اكتشفت بعد سنوات أنه كان حماية؟ وكم من بابٍ أغلقته الحياة في وجهك، ثم حمدت الله أنك لم تدخله؟ وكم من أمنية كنت تراها خلاصك، ثم اكتشفت أن تحققها كان سيضعك في طريقٍ لم تكن تعرف كيف تخرج منه؟
نحن لا نعرف الغيب، وهذه نعمة قبل أن تكون حدودًا؛ لأن الله سبحانه لم يكلّفنا أن نعرف كل ما سيحدث، وإنما كلفنا أن نعبده، ونحسن العمل، ونأخذ بالأسباب، ونحسن الظن به.
وقد عرفت سيرة المسلمين الأوائل نماذج عظيمة لهذا اليقين. ومن أبلغها قصة أم سلمة رضي الله عنها، حين فقدت زوجها أبا سلمة، وكانت مصيبتها شديدة، ثم تذكرت دعاء النبي ﷺ عند المصيبة: "اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها". ولم تكن تعلم وهي تدعو ماذا يمكن أن يعني "خيرًا منها"، حتى أكرمها الله بعد ذلك بزواجها من رسول الله ﷺ.
لم تكن تعرف أن بابًا أُغلق في حياتها سيفتح لها بابًا أعظم. ولم يكن الحزن في بدايته يحمل لها عنوان النهاية، بل كانت وراءه حياة جديدة لم تكن تستطيع أن تراها وهي في قلب المصيبة.
وهكذا الإنسان.يبكي على وظيفة، ثم يجد عملًا أفضل. يبكي على علاقة انتهت، ثم يكتشف أنه نجا من حياة لم تكن تشبهه.
يحزن على مشروع فشل، ثم يبدأ مشروعًا أكثر نضجًا. يتألم من تأخيرٍ لم يفهمه، ثم يأتيه الخير في الوقت الذي يستطيع فيه حمله.
ليس معنى ذلك أن كل ألمٍ جميل، ولا أن علينا أن نبتسم في وجه المصيبة ونزعم أنها لا تؤلم. الإيمان ليس مسابقة في إخفاء الدموع. المؤمن يحزن، ويبكي، ويتألم، لكنه لا يجعل الألم حاكمًا على علاقته بالله.
وهنا الفرق بين الإنسان الذي يؤمن بالله والإنسان الذي يترك نفسه لليأس: الأول يقول "لا أفهم"، لكنه لا يقول "لا أثق". والثاني حين لا يفهم، يبدأ في الشكوى من كل شيء.
يا لها من مشكلة اجتماعية نعيشها كل يوم! نحن لا نعاني فقط من الأحداث، بل نعاني من رغبتنا في تفسير كل شيء فورًا. إذا تأخر الزواج قال الإنسان: لماذا؟ وإذا تعثرت الوظيفة قال: لماذا؟ وإذا انتهت علاقة قال: لماذا؟ وإذا تأخر رزق قال: لماذا؟
وكأن الإنسان يريد من الله كشف أوراق الحكمة قبل انتهاء المباراة! لكن بعض الإجابات لا تُعطى بالكلام، بل تُعطى بعد أن نمضي في الطريق.