تطالعنا بين حين وآخر أخبار عن ضبط مصانع تتلاعب بمكونات المنتجات الغذائية بحثًا عن خفض التكلفة وزيادة الأرباح، وكان من أكثرها إثارة للاستغراب خبر عن ضبط مصنع غير مرخص في إحدى المدن العربية، يستخدم مسحوق الفحم النباتي بدلًا من الكاكاو لتلوين البسكويت. وعُثر داخل المصنع على كميات ضخمة من خامات ومواد غذائية منتهية الصلاحية ومخالفة لمعايير السلامة والجودة.

خبر ليس جديدًا على مسامعنا، ومشاهد اعتدنا رؤيتها، ويبقى السؤال المقلق عن جودة ما يصل إلى موائدنا، ومدى قدرة المستهلك على التمييز بين المنتج الجيد والرديء.

وليس المقصود هنا ذلك المصنع المخالف وحده، ولا بلدًا بعينه؛ فالغش التجاري موجود بدرجات متفاوتة في أنحاء العالم. لكن مثل هذه الأخبار تعيد إلى الواجهة ظاهرة بات المستهلك يلاحظها بوضوح، ألا وهي تصنيع منتجات تحمل علامات تجارية عالمية في بلدان تتفاوت فيها مستويات الرقابة وتطبيق معايير الجودة والسلامة.


يعاني، على سبيل المثال، محبو الشوكولاتة من إغراق الأسواق بمنتجات لا تشبه تلك التي اعتادوا تناولها إلا بالاسم وشكل العبوة. فالزبون الذي اعتاد على مدى سنوات نوعًا معينًا، وحفظ مذاقه وقوامه، وعرف أنه مصنوع في بلد أوروبي اشتهر بجودة الصناعات الغذائية، إذا به يشتري العبوة ذاتها، بالشعار نفسه والألوان والحجم والتصميم نفسه، فيكتشف منذ القضمة الأولى أن ثمة شيئًا تغير. يقلب الغلاف باحثًا عن السبب، فيجد أن بلد التصنيع قد تغير.

هل من العدل أن تكون العلامة واحدة، والغلاف واحدًا، والسعر واحدًا تقريبًا، بينما الجودة متفاوتة؟ والأغرب أن النسخ المختلفة من المنتج قد تتجاور على رف المتجر نفسه، بلا فرز أو إشارة واضحة إلى اختلاف مصدر التصنيع. فتجد نفسك تنبش في أكوام علب الشوكولاتة، تقلب هذه وتعيد تلك، باحثًا عن عبارة صغيرة تقول: «صنع في...»، حتى تعثر على النسخة التي اعتدت مذاقها وجودتها.

وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا لا تُفرز المنتجات بحسب بلد التصنيع؟ ولماذا يقع العبء كاملًا على المستهلك الذي يحرص على جودة ومصدر ما يشتريه؟

ولمن يقول إن المكونات ومقاديرها ثابتة، ومعايير التصنيع مطبقة، نسأل: إذا كان كل شيء متطابقًا، فمن أين تأتي الفروق التي يلحظها معشر المستهلكين بين منتجين يحملان العلامة نفسها؛ في الطعم والقوام، بل وحتى الرائحة أحيانًا؟

ثم يأتي السعر ليضيف سؤالًا آخر؛ فالشركات التي تنقل التصنيع إلى دول تنخفض فيها تكاليف العمالة والإنتاج والنقل، وهذا مفهوم اقتصاديًا، لكن المستهلك لا يرى أثر ذلك في السعر. فإذا انخفضت تكلفة الإنتاج، وتراجعت الجودة في الوقت نفسه، بينما ظل السعر كما هو، فمن المستفيد من المعادلة؟

الحقيقة أن العلامات التجارية الكبرى لم تبنِ قيمتها من الشعار والغلاف، وإنما من ثقة تراكمت عبر عشرات السنين. والمستهلك حين يدفع مبلغًا أعلى لمنتج مشهور، فإنه لا يشتري قطعة شوكولاتة أو علبة بسكويت فحسب؛ بل يشتري وعدًا ضمنيًا بمستوى معين من الجودة.

وعليه لا ينبغي أن تتحول عبارة «صنع في...» إلى معلومة هامشية نبحث عنها بعد أن يتغير الطعم. المطلوب شفافية أكبر، وفرز أوضح للمنتجات مختلفة المنشأ، ورقابة تضمن ألا تتحول ثقة المستهلك بالعلامة العالمية إلى غطاء لصناعة تعاني ضعفًا مزمنًا في تطبيق معايير الجودة والسلامة.

وإلى أن يحدث ذلك، لا تكتفِ، عزيزي المتسوق، بالنظر إلى الاسم اللامع على واجهة العبوة؛ اقلبها واقرأ بلد المنشأ والمكونات، حتى لا تشتري الفحم في عبوة شوكولاتة.