أما الأطفال، فكان مكانهم المدارس والملاهي، حتى جاء الحوثي واستثمر فيهم على طريقته، وحجز لهم أماكنهم في الجنة، وفقًا لوصفه.
وكان الطفل اليمني، شأنه شأن بقية البشر، لا يعرف إن كان سيذهب بعد موته إلى الجنة أم إلى النار. أما مع برنامج الحوثي التنموي، فقد انتهت حالة عدم اليقين؛ إذ يعرف الطفل مصيره مسبقًا، والجهة التي سيُشحن إليها فورًا.
وكان اليمني يظن أن المكان الطبيعي للراتب هو البنك، لكن الحوثي قدّم رؤية اقتصادية أكثر توفيرًا؛ فبدلًا من استئجار مبانٍ للبنوك، وضع المرتبات في جيبه، حتى أصبح ذكر الراتب أمام اليمني كأنك تغني له أغنية عبدالحليم حافظ: «حاجة غريبة».
ولم يتوقف التطوير عند الرواتب؛ فالاقتصاد في اليمن كان يُدار على يد مجموعة من الاقتصاديين، لكن بعد مجيء الحوثي توسعت دائرة المشاركة، فتحولنا من مجموعة صغيرة من الاقتصاديين إلى ثُلّة كبيرة من المقتصدين؛ فمن كان يأكل ثلاث وجبات أصبح يأكل وجبتين، ومن كان يأكل وجبتين اكتفى بواحدة، بينما وصل البعض إلى أعلى مراحل الاقتصاد، فلم يعد يأكل أصلًا.
ووصل قطار التنمية إلى الزراعة أيضًا؛ فاليمن الذي عرف زراعة ما يأكله الناس، تعرّف مع الحوثي على محصول جديد لم يعهده اليمنيون من قبل: زراعة الألغام والحصاد الفوري، حتى وإن كان مشروع «مسام» السعودي يحاول مكافحة هذه الزراعة الجديدة من باب الحسد، خصوصًا أن الحوثي، تنمويًا، محسود، وعيني عليه باردة، ولا ينافسه أحد في حصاد الأرواح بضغطة رجل.
وإن كان للسعودية رؤيتها التنموية لعام 2030، فهذا لا يمنع أن يكون للحوثي رؤيته التنموية ليوم القيامة.
وكان للتعليم نصيبه من سياسة الاقتصاد؛ فقد كان تعدد الكتب والمراجع يشتت الطلاب، وحين جاء الحوثي اقتصد عليهم كل ذلك العناء، وأصبح لديهم مرجع يكاد يغنيهم عن بقية المراجع: ملازم حسين الحوثي.
ولم تُترك الثقافة خارج النهضة؛ فقد كان المثقفون مجموعة من النخبة، أما اليوم فقد أصبحت الثقافة متاحة لكل الشعب تحت مسمى «الثقافة القرآنية».
وليس بالضرورة أن تكون قارئًا للقرآن، المهم أن تجيد قراءة الفاتحة على روح الخدمات والأكل والشرب، وأحيانًا على روحك أنت إذا شعرت بقليل من الحنين إلى الحرية.
وما يهم هو أن تلتزم بالثقافة القرآنية، حتى وإن لم تكن لها علاقة بالقرآن، وإنما بما يقوله «عَلَم الهدى».
هدى مين؟ والله ما لنا علم.
وأعترف أننا كنا مجحفين في حق الحوثي، الذي جاء وفتح عيوننا على المرجفين والمنافقين والغشاشين. فلولا بتروله المغشوش، الذي غنّت بعد شربه كثير من السيارات أغنية «آه يا رجلي»، لما طبقنا عمليًا الحديث النبوي: «من غشّنا فليس منا».
ونحن الشعب المقصودون بـ«منا» بالطبع، أما من غشّنا فهو من ركاب المسيرة القرآنية.
والبعض يظلم الحوثي بالتنكر لمنجزاته، وهو الذي انقلب على جرعة حكومية كادت تودي بالشعب، ليقف بكل شجاعة من أجل الشعب، متصدرًا السلطة بكل بسالة وحماس، حتى أوصلنا إلى جملة عادل إمام الشهيرة في إحدى مسرحياته:
«ثم مات الشعب».
ونحن مدينون للحوثي باعتذار عن إنكارنا لما قدّمه للإنسان اليمني من منجزات تنموية بأحدث تقنيات العصر؛ فكثير من قادة العالم يوفرون لشعوبهم كل مقومات الحياة، بينما الحوثي وفّر لليمنيين ما استطاع إليه سبيلًا من التهم، حتى لو على لايك؛ تهمة رقمية كاملة، أما الشير والمشاركة فيتكفل بهما الحوثي من سجن إلى آخر.
ولولا ما يسمّيه الحوثي «الحصار» على تجربته التنموية التي لم يسبقه إليها أحد، لنافس اليمني في مناطق سيطرته كل جهابذة العالم في العبط.
خصوصًا أن العالم أصبح قرية واحدة، بعكس الماضي حين لم يكن يعرف الأهبل إلا أهله فقط. أما اليوم، ومع ثورة الاتصالات، فقد أصبح بإمكان العالم كله أن يعرفه، ويشير إليه بإصبعه على طريقة عبدالملك الحوثي في خطاباته، مرددًا جملة إخوتنا المصريين الشهيرة:
«العبيط أهو».
* كاتب يمني.