أظهرت وثائق وشهادات أمريكية أُفرج عنها خلال العام الجاري 2026 ، أن فرضية تسرب فيروس كوفيد- 19 من مختبر خضعت لدراسة داخل أجهزة الاستخبارات الأمريكية منذ وقت مبكر، فيما أعادت شهادة مسؤول في وكالة الاستخبارات المركزية «CIA» إلى الواجهة تساؤلات حول طريقة التعامل مع تقييمات رجحت المنشأ المختبري. وتأتي التطورات بعد أكثر من 6 سنوات على ظهور SARS-CoV-2، في وقت لا تزال فيه السجلات المنشورة عاجزة عن تقديم دليل مباشر يحسم منشأ الفيروس، رغم ما تضمنته الإفراجات الأخيرة من مراسلات وتقييمات داخلية لم تكن متاحة سابقًا للرأي العام.

نتائج تغيرت لاحقا

أفاد ضابط وكالة الاستخبارات المركزية جيمس إردمان الثالث، خلال جلسة رسمية للجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ الأمريكي في 13 مايو 2026، بأن محللين علميين في الوكالة توصلوا عدة مرات بين 2021 و2023 إلى أن التسرب المختبري هو المنشأ الأكثر احتمالًا لكوفيد-19.


وبحسب شهادة إردمان، أُعيدت صياغة بعض هذه النتائج أو تخفيفها في الملخصات الرسمية اللاحقة، ولم تنعكس بالصورة نفسها في الرواية المقدمة للجمهور. وأكدت اللجنة رسميًا انعقاد الجلسة بصفته مسؤول عمليات رفيعًا في «CIA».

ولا تثبت شهادة إردمان بمفردها أن الوكالة تعمدت إخفاء منشأ الفيروس؛ فهي شهادة مُبلّغ أمام الكونغرس تتضمن اتهامات بشأن إدارة التقييمات الاستخباراتية، وليست حكمًا قضائيًا أو نتيجة تحقيق مستقل نهائي.

أموال لتغيير التقييم

أعاد الجدل الحالي إلى الواجهة اتهامًا أكثر حساسية يعود إلى سبتمبر 2023، حين أعلنت لجنة الرقابة في مجلس النواب الأمريكي تلقي شهادة من مُبلّغ وصفته بأنه مسؤول رفيع في «CIA». وأفادت اللجنة رسميًا بأن فريقًا من سبعة محللين كُلّف بدراسة منشأ كوفيد، وأن ستة منهم رأوا أن الأدلة العلمية والاستخباراتية تكفي لتقييم، بدرجة ثقة منخفضة، بأن الفيروس نشأ من مختبر في ووهان، بينما رجح المحلل السابع، وهو الأعلى رتبة، المنشأ الحيواني. وادعى المُبلّغ أن المحللين الستة عُرضت عليهم «حوافز مالية كبيرة» لتغيير موقفهم وصولًا إلى النتيجة العلنية التي أبقت المنشأ غير محسوم، وفق بيان لجنة الرقابة في 12 سبتمبر 2023.

ولا يوجد في المواد الحكومية المنشورة إثبات بأن الأموال دُفعت بالفعل مقابل تغيير تقييم منشأ الفيروس؛ لذلك يبقى الأمر اتهامًا رسميًا من مُبلّغ أحاله الكونغرس للتحقيق، وليس واقعة مثبتة.

ووهان قيد الدراسة مبكرا

أثبت فهرس الوثائق الذي نشره مكتب مدير الاستخبارات الوطنية في 18 يونيو 2026 وجود تقييم أعده مختبر لورانس ليفرمور الوطني في 27 مايو 2020 بعنوان يتعلق بتوافر ظروف تعديل مختبري لكوفيد-19 في معهد ووهان للفيروسات. وتكمن أهمية الوثيقة في توقيتها؛ إذ تؤكد أن سيناريو مرتبطا بالمختبر وقدرات معهد ووهان كان يخضع للتحليل الحكومي الأمريكي منذ الأشهر الأولى للجائحة، وليس فرضية ظهرت بعد سنوات من انتشار الفيروس. ولا يحول وجود ذلك التقييم الاحتمال إلى حقيقة؛ فالإفراج لا يقدم بمفرده دليلًا مباشرًا يثبت أن SARS-CoV-2 عُدّل داخل معهد ووهان أو أن حادثًا مختبريًا تسبب في بداية الجائحة.

فاوتشي في المراسلات

أفرج مكتب مدير الاستخبارات الوطنية في 18 يونيو الماضي عن دفعة من الاتصالات والوثائق التي لم يسبق نشرها والمتعلقة بأنتوني فاوتشي ومناقشات أجهزة الاستخبارات حول منشأ كوفيد. واتهم مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، في البيان الرسمي المصاحب للإفراج، فاوتشي بالتأثير في تقييمات مجتمع الاستخبارات المتعلقة بمنشأ الفيروس، وربط دوره بالتمويل الأمريكي لأبحاث فيروسات كورونا في ووهان. لكن الوثائق نفسها تتضمن أيضًا مراسلات تظهر أن فاوتشي تلقى في يونيو 2021 إحاطة إستخباراتية حول منشأ كوفيد، وأنه أبدى اهتمامًا بتفاصيل الأبحاث التي كان يجريها معهد ووهان، كما أبدى قلقًا من تنظيف سوق ووهان سريعًا وما يمكن أن يكون قد سببه ذلك من فقدان أدلة. وتظل الاتهامات الموجهة إلى فاوتشي في بيان يونيو موقفًا رسميًا لمكتب مدير الاستخبارات الوطنية في الإدارة الأمريكية الحالية، ولا تشكل بمفردها إثباتًا قضائيًا أو علميًا بأن فاوتشي تسبب في الجائحة أو أن التمويل الأمريكي أنتج SARS-CoV-2.

المنشأ بلا حسم

ترسم الإفراجات الحديثة صورة أكثر تعقيدًا لما دار داخل المؤسسات الأمريكية؛ فقد دُرس احتمال المنشأ المختبري مبكرًا، وشهد مسؤول في «CIA» بأن محللين رجحوه في مراحل من التحقيق، فيما أثار مُبلّغ آخر اتهامات بتقديم حوافز مالية لتغيير تقييمات بعض المحللين.

لكن تراكم الشهادات والوثائق لا يعادل إثبات الفرضية.

فلا تقدم المواد المنشورة حتى الآن دليلًا مباشرًا يحسم أن SARS-CoV-2 صُنع في مختبر أو خرج منه، كما لا تثبت استخدامه سلاحًا بيولوجيًا.

وبعد ست سنوات من الجائحة، باتت الوثائق تكشف تفاصيل أكثر عما عرفته المؤسسات الأمريكية وكيف اختلفت حول تفسيره، بينما يبقى السؤال الذي بدأ مع أول إصابات ووهان بلا إجابة نهائية: من أين جاء كوفيد-19؟