استجابةً لتعرض مواطن سعودي في الأربعينيات من عمره لحادثة طعن غادرة بدافع السرقة بالإكراه في ساحة بيركلي بمنطقة «مايفير» الشهيرة وسط لندن مساء الخميس 3 سبتمبر 2026، تحركت الدبلوماسية السعودية بحزم؛ حيث طالبت السفارة بفتح تحقيق عاجل وشفاف لكشف ملابسات الواقعة التي أعادت واجهة القلق حول مسلسل استهداف المواطنين في بريطانيا، وصدر البيان الرسمي قاطعا:

وتعد حادثة منطقة مايفير وسط لندن أحدث هذه الجرائم، حيث تعرض مواطن سعودي أربعيني لطعن غادر في ساحة بيركلي سكوير إثر مقاومته لعصابة حاولت سرقة حقيبته وساعته الثمينة بالإكراه، ونجحت الشرطة البريطانية في القبض على المشتبه به البالغ من العمر 58 عاماً بينما نقل المواطن للمستشفى لتلقي العلاج وحالته مستقرة.

فاجعة محمد القاسم


شهدت المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الحوادث الجنائية التي راح ضحيتها مواطنون سعوديون بين سياح ومبتعثين، ما سلط الضوء على تنامي ظاهرة جرائم الشارع وعصابات السلب بالقوة في المدن البريطانية. وتنوعت هذه القضايا بين الاعتداءات العنصرية الفردية وجرائم السرقة المنظمة التي تستهدف المقتنيات الثمينة والساعات الفاخرة، خاصة في الأحياء الراقية وسط العاصمة لندن.



وقبل هذه الحادثة بنحو عام وتحديداً في أغسطس 2025، فُجعت الأوساط السعودية بمقتل المبتعث الشاب محمد القاسم البالغ من العمر 20 عاماً، والذي تعرض لطعنة قاتلة في الرقبة إثر مشاجرة مفاجئة افتعلها أحد المارة في مدينة كامبريدج أثناء دراسته للغة الإنجليزية، وتابعت السفارة القضية حتى أصدرت محكمة بريطانية في يونيو 2026 حكماً بالسجن المؤبد على القاتل بحد أدنى 22.5 سنة، إلى جانب سجن والده لتستره على الجريمة.

جريمة 2014

وتعيد هذه الحوادث إلى الذاكرة الجريمة الشهيرة التي اهتز لها الرأي العام في عام 2014، عندما قُتلت طالبة الدكتوراه المبتعثة ناهد المانع إثر تعرضها لطعنات غادرة أثناء سيرها في طريق عام بمدينة كولشيستر في اعتداء تصنفه السلطات ضمن الجرائم المدفوعة بالعنصرية والكراهية.



كما شهدت مدينة بورنموث في عام 2008 اعتداءً جماعياً عنصرياً بالضرب من قِبل مجموعة من البريطانيين استهدف ثلاثة طلاب سعوديين وأدى إلى دخول أحدهم العناية المركزة في حالة حرجة.

تحركات دبلوماسية وقانونية

وأمام هذه التحديات الأمنية المتصاعدة، كثفت سفارة المملكة العربية السعودية لدى المملكة المتحدة تحركاتها الدبلوماسية والقانونية لحماية الرعايا السعوديين، حيث تحرص السفارة على التنسيق المباشر مع السلطات البريطانية لضمان سرعة التحقيقات ومحاسبة الجناة وفقاً للقانون، مع تقديم الدعم الطبي والنفسي الكامل للمصابين وعائلاتهم.

في الجانب الوقائي، تجدد السفارة السعودية تحذيراتها الصارمة وتهيب بجميع المواطنين والمواطنات والزوار الموجودين في بريطانيا ضرورة توخي أقصى درجات الحيطة والحذر، وتجنب حمل أو إظهار المقتنيات الثمينة مثل المجوهرات والساعات الفاخرة في الأماكن العامة، وذلك لتفادي وقوعهم ضحايا لعصابات الرصد والسرقة التي تنشط في المناطق السياحية.

موقف حكومي بريطاني

بدورها، أكدت الحكومة البريطانية عبر قنواتها الرسمية ووزارة خارجيتها الالتزام الكامل بتوفير الأمن لجميع الزوار والمبتعثين والدبلوماسيين، وشددت على أن مثل هذه الحوادث الجنائية لا تمثل قيم المجتمع البريطاني، معبرة عن أسفها البالغ لوقوعها.

وتعهدت السلطات البريطانية بالتعاون والتنسيق المباشر والمستمر مع السفارة السعودية في لندن لإطلاعها على كافة مستجدات التحقيقات في القضايا الأخيرة، وضمان تقديم الجناة إلى العدالة لينالوا جزاءهم وفقاً للقانون.

نمط Knife Crime

تشير أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن مكتب الإحصاء الوطني البريطاني (ONS) وشرطة العاصمة البريطانية حتى منتصف عام 2026، إلى أن جرائم السكاكين والأدوات الحادة (Knife Crime) بدأت تسجل انخفاضاً ملحوظاً في إنجلترا وويلز بعد سنوات من الارتفاع. ومع ذلك، فإنها لا تزال تُمثل التحدي الأمني الأكبر في الشارع البريطاني.

وبلغ إجمالي جرائم السكاكين والأدوات الحادة في إنجلترا وويلز نحو 48.774 جريمة حتى مارس 2026، وهو ما يُمثل انخفاضاً بنسبة 8% إلى 10% مقارنة بالأعوام السابقة حيث كانت تفوق 53 ألف جريمة.



كما انخفضت جرائم القتل العمد باستخدام أدوات حادة إلى 176 جريمة قتل في العام المنتهي في مارس 2026 بانخفاض قدره 14% عن العام السابق، وهو أدنى مستوى تسجله بريطانيا لضحايا الطعن القاتل منذ عام 1991.

السكاكين أداة رئيسية في القتل

نظرًا للقوانين الصارمة جداً المفروضة على حيازة الأسلحة النارية في المملكة المتحدة، فإن الأدوات الحادة هي السلاح الأساسي في الجريمة؛ حيث تُستخدم السكاكين في أكثر من 46% من إجمالي جرائم القتل التي تقع في البلاد.

وتُشير التحقيقات إلى أن سكاكين المطبخ العادية هي الأداة المستخدمة في 44% من جرائم الطعن، لسهولة الحصول عليها مقارنة بالسكاكين القتالية المحظورة.

لندن البؤرة الأعلى

تستأثر العاصمة لندن بأكثر من 28% من إجمالي جرائم السكاكين في البلاد بأكملها، وانخفض عدد جرائم السكاكين في لندن إلى حوالي 13.850 جريمة، بعد أن كانت تتجاوز 16 ألف جريمة في الأعوام الماضية.

يذكر أن الانخفاض ليس متساوياً؛ فقد سجلت مناطق وسط وغرب لندن انخفاضاً كبيراً في الجرائم بنسبة 29% بفضل تشديد الدوريات، بينما ارتفعت الجرائم بنسبة 18% في مناطق شمال غرب العاصمة. ورغم الانخفاض، لا تزال لندن تُسجل نحو 104 حوادث طعن شهرياً تسفر عن إصابات بليغة تستدعي النقل الفوري للمستشفيات أو تؤدي للوفاة.

صعوبة تحديد الجنسيات

يصعب حصر السعوديين والخليجيين الذي تعرضوا لهذه الجرائم وذلك نظرا لأن شرطة لندن والمكتب الوطني للإحصاء في بريطانيا يعتمدان على تصنيف الضحايا بناءً على «العرقية» (مثل: آسيوي، أسود، أبيض، مختلط) بدلاً من «الجنسية» أو «البلد الأصلي». وبناءً على هذا النظام، يُدرج السياح والمبتعثون الخليجيون غالباً تحت بند عرقية «آسيوي» أو «عرب» دون تخصيص البلد.

كما يغادر الكثير من الضحايا السياح البلاد بعد أيام قليلة من تعرضهم للسرقة. هذا الأمر يجعل استكمال بلاغاتهم أو إدراجها في جداول إحصائية طويلة المدى أمراً صعباً ومحدوداً.

رصد تاريخي لأبرز الحوادث الغادرة ضد سعوديين في بريطانيا

- 2026: طعن مواطن في الأربعينيات بحي مايفير الراقي وسط لندن.

- 2025: مقتل الطالب محمد القاسم بعد تعرضه لطعنة قاتلة في الرقبة.

- 2014: مقتل طالبة الدكتوراه ناهد المانع في اعتداء عنصري.

- 2008: اعتداء بالضرب على 3 طلاب سعوديين وأدخل أحدهم العناية المركزة.