وقد برز تعبير «الشرق الأوسط الجديد» في الخطاب السياسي الأمريكي بصورة واضحة خلال حرب لبنان عام 2006، عندما تحدثت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كوندوليزا رايس عن ولادة «شرق أوسط جديد». إلا أن الموضوعية تقتضي التمييز بين التصريحات السياسية المعلنة وبين الاستنتاجات التي ذهبت إلى وجود مشروع موحد لإعادة رسم حدود المنطقة وتقسيم دولها ، فمثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى أدلة ووثائق واضحة، ولا يكفي لإثباتها مجرد الخطاب السياسي.
وفي الجانب الإسرائيلي، ظهرت خلال السنوات الأخيرة مواقف سياسية ذات توجهات توسعية بشأن مستقبل إسرائيل وحدودها، وخاصة بعد حروب إسرائيل في غزه وسوريا ولبنان - الأمر الذي يزيد تعقيد الصراع، خصوصاً في ظل استمرار القضية الفلسطينية وغياب تسوية عادلة وشاملة. وفي المقابل، بنت إيران منذ عام 1979 شبكة واسعة من النفوذ الإقليمي عبر علاقاتها بقوى سياسية وتنظيمات مسلحة في العراق ولبنان وسوريا واليمن، إضافة إلى دعمها عدداً من الفصائل الفلسطينية.
ولم يعد الصراع في الشرق الأوسط إقليمياً خالصاً؛ فالتنافس بين الولايات المتحدة والصين، والحرب الروسية ــ الأوكرانية، والصراع على مصادر الطاقة والممرات البحرية، كلها جعلت المنطقة جزءاً من التنافس الدولي الأوسع. ومع تصاعد التوترات خلال عام 2026، ازدادت أهمية أمن الخليج العربي ومضيق هرمز، لما يمثله من ارتباط مباشر بأمن الطاقة وحركة التجارة والاقتصاد العالمي.
وفي خضم هذه التحولات، تبرز الحاجة إلى مراجعة التجربة العربية خلال العقود الماضية، فقد أسهم اختلاف المواقف وتباين المصالح وضعف التنسيق الإستراتيجي في مراحل مختلفة في إضعاف القدرة العربية على التعامل الجماعي مع التحديات. وليس المطلوب توحيد مواقفها في كل القضايا، وإنما بناء منظومة أكثر فاعلية للتنسيق السياسي والأمني والاقتصادي، تحترم سيادة الدول وتمنع تحويل أراضيها إلى ساحات لصراعات الآخرين.
وفي هذا المشهد تبرز المملكة العربية السعودية باعتبارها إحدى أهم القوى العربية والإقليمية، بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي ومكانة عربية وإسلامية وعلاقات دولية واسعة. وقد اتسم النهج السعودي خلال السنوات الأخيرة بالسعي إلى تجنب الانجرار إلى صراعات لا تخدم المصالح الوطنية، مع المحافظة على قوة الردع والقدرة على حماية أمن المملكة وحدودها ومصالحها.
ومن هنا يأتي مفهوم «الصخرة السعودية»؛ فالقوة ليست بالضرورة في الدخول في كل مواجهة، وإنما في امتلاك القدرة على اختيار متى وكيف تدخل المواجهة، مع المحافظة على استقلال القرار الوطني. فالدولة القوية هي التي تستطيع حماية مصالحها، وبناء شراكاتها، وإدارة خلافاتها، دون أن تسمح بتحويلها إلى أداة في صراعات الآخرين.
وقد اتجهت المملكة في السنوات الأخيرة إلى توسيع شبكة شراكاتها السياسية والأمنية، وتعزيز علاقاتها الخليجية والعربية والإسلامية والدولية، بما يتناسب مع التحولات المتسارعة في النظام الدولي. وفي هذا السياق جاءت زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى جدة في الأول من سبتمبر 2026، ولقاؤه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وتطورات الأوضاع في المنطقة والجهود المبذولة لتعزيز أمنها واستقرارها.
وتبقى القضية الفلسطينية ثابتاً أساسياً في السياسة السعودية، وفي مقدمتها التمسك بحل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وهو موقف ينسجم مع المبادرة العربية للسلام التي أقرتها القمة العربية في بيروت عام 2002.
مستقبل الشرق الأوسط لن تحسمه القوة العسكرية وحدها، فالحروب قد تغير موازين القوى، لكنها لا تستطيع بمفردها بناء نظام إقليمي مستقر. والاستقرار الحقيقي يحتاج إلى احترام سيادة الدول، ووقف استخدام الجماعات المسلحة العابرة للحدود لزعزعة أمنها، وحماية الممرات البحرية، ومعالجة القضية الفلسطينية، وتنويع الشراكات الدولية، وتوجيه الموارد نحو التنمية والاقتصاد والتعليم والتقنية.
ومن هنا فإن الخطر الأكبر أن تتحول الدول العربية إلى أرض للصراع، وأن تدفع شعوب المنطقة الثمن بينما تتنافس القوى المختلفة على النفوذ والمصالح.
ولذلك فإن المسؤولية التاريخية للدول العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، تتمثل في حماية القرار الوطني، وتعزيز الأمن الخليجي والعربي، ودعم استقرار الدول العربية، والتمسك بالحقوق الفلسطينية، وبناء شراكات دولية متوازنة.
فـ«الصخرة السعودية» لا تعني الانعزال أو الجمود، وإنما تعني الثبات والقوة وحسن إدارة المواقف، والقدرة على حماية المصالح الوطنية، والمساهمة في بناء نظام إقليمي أكثر أمناً واستقراراً. وفي عالم تتغير فيه التحالفات وموازين القوى بسرعة، قد تكون الحكمة الإستراتيجية أحياناً أقوى من القوة العسكرية، وقد يكون امتلاك القرار الوطني هو السلاح الأهم في مواجهة صراع المصالح.