هذا الاكتشاف المثير الذي قاده باحثون من جامعة "أوتريخت" الهولندية، كشف الستار عما يمكن تسميته "الجبال السرية المفقودة"، والتي لا تقع فوق الغلاف البري، بل تقبع على عمق 1,200 ميل (حوالي 2,900 كيلومتر) تحت قشرة الأرض، وتحديداً عند النقطة الساخنة الفاصلة بين نواة الأرض ووشاحها.
مقبرة المحيطات القديمة
تُشير البيانات العلمية إلى أن هذه الهياكل الجيولوجية الضخمة، الممتدة تحت قارة أفريقيا والمحيط الهادئ، ترتفع بشكل عمودي داخل الوشاح لمسافة تصعق الأذهان تصل إلى 1,000 كيلومتر (620 ميلاً).
وتعليقاً على هذا الغموض، صرحت الدكتورة "أروين دوس"، رئيسة الفريق البحثي: "لا أحد يعلم على وجه اليقين ماهية هذه الكتل الصخرية، وما إذا كانت مجرد ظاهرة مؤقتة، أم أنها استقرت هناك منذ ملايين، وربما مليارات السنين منذ تشكل الأرض".
ويعتقد العلماء أن هذه الجبال العميقة تمثل "مقبرة جيولوجية" لبقايا قاع المحيطات القديمة التي غاصت واصطدمت في باطن الأرض عبر العصور بفعل تحركات الصفائح التكتونية، وهي القوة الخفية ذاتها التي تفسر النشاط البركاني العنيف وظهور سلاسل الجزر الشهيرة مثل جزر هاواي.
كيف رصد العلماء ما لا يمكن رؤيته؟
لأن هذه الأعماق تُعد محرمة على العين البشرية وأجهزة التصوير التقليدية، نجح الجيولوجيون في "رسم خريطة" لهذه الجبال عبر تقنية تشبه السونار، مستعينين بـ الموجات الزلزالية. فمنذ عام 1996، لاحظ العلماء تباطؤاً مفاجئاً وغير مبرر في سرعة الهزات الأرضية عند مرورها بنقاط محددة في قاع المحيط الهادئ، مما أكد وجود كتل مادية هائلة الكثافة والحجم تعترض طريقها.
الحكم النهائي: إيفريست آمن.. ولكن!
بالرغم من الإثارة الجيولوجية الشديدة التي يفرضها هذا الاكتشاف، يطمئن الخبراء عشاق تسلق الجبال بأن عرش "إيفريست" كأعلى قمة "فوق سطح الأرض" لا يزال آمناً ولن يتغير في الكتب المدرسية. فالوصول إلى الجبال المكتشفة حديثاً أمر مستحيل عملياً؛ كونها تقبع في حرارة باطن الأرض الحارقة وضغوطها الهائلة.
ومع ذلك، فإن هذا الاكتشاف يثبت للبشرية مجدداً أن الكوكب الذي نعيش فوقه لا يزال يخفي في جعبته أسراراً مرعبة، وأن ما نراه على السطح ليس سوى قشرة بسيطة لعالم سفلي مذهل ومعقد.