ولعل قصتي سحر الخولاني ومحمد عيضة تختصران جانبًا من هذا المشهد. الأولى تعرضت للاختطاف والاحتجاز، والآخر، مراسل العربية والحدث، انتهت حياته أثناء ممارسة عمله الصحفي. وبين الحالتين تختلف التفاصيل والوسيلة، لكن يبقى السؤال واحدًا: ماذا يعني أن يمارس الصحفي مهنته في بيئة لا يملك فيها الحد الأدنى من الأمان؟
القضية هنا ليست في عدد الأخبار التي تستطيع المؤسسات الإعلامية نشرها، ولا في حجم المساحة التي تمنحها المنصات للصحفي، وإنما في قدرة الصحفي على الوصول إلى المعلومة ونقلها دون أن تصبح مهنته سببًا لفقدان حريته أو حياته.
سحر الخولاني لم تكن مجرد اسم في خبر عن الاحتجاز، كما أن محمد عيضة لم يكن مجرد اسم آخر في خبر عن القتل.
كلاهما يمثل حالة أوسع تتعلق بمكانة الصحفي في بيئة مضطربة، وبالحدود التي يمكن أن تصل إليها المخاطر عندما يصبح نقل الحقيقة جزءًا من الصراع.
وحين يُختطف الصحفي، لا تُسلب حريته وحده، بل يُحجب عن المجتمع جزء من حقه في المعرفة. وحين يُقتل المراسل، لا تنتهي حياة إنسان فقط، وإنما يغيب شاهد كان يمكن أن ينقل صورة من الميدان لا تستطيع البيانات الرسمية ولا الروايات المتداولة أن تقدمها بالضرورة.
لهذا فإن حماية الصحفي ليست قضية تخص الصحفيين وحدهم، إنها جزء من حماية حق المجتمع في أن يعرف، وأن يسمع أكثر من رواية، وأن يميز بين الخبر والدعاية، وبين الحقيقة ومحاولة فرض رواية واحدة على الجميع.
اليمن، مثل غيره من البيئات التي تعيش اضطرابات وصراعات، يحتاج إلى صحافة تستطيع العمل لا إلى صحافة تخشى العمل. فالمنصات قد تتعدد، والأخبار قد تتدفق، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الصحافة تتمتع بالحرية إذا كان الصحفي نفسه يعيش تحت التهديد.
وعليه، فإن قضية الصحفيين في اليمن لا ينبغي أن تُختزل في إدانة حادثة أو التعاطف مع ضحية، بل يجب أن تُقرأ باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لمعنى حرية الصحافة. فحرية الصحافة لا تبدأ من لحظة نشر الخبر، وإنما من اللحظة التي يشعر فيها الصحفي أن حياته وحريته ليستا ثمنًا مطلوبًا مقابل الحقيقة.
قد تزداد مساحة النشر، وقد تتعدد المنصات، لكن المعيار الأهم يظل واحدًا: كم يملك الصحفي من هامش أمان يسمح له بأن يقول ما يرى، ويعود إلى منزله بعد أن يقول ذلك؟