ما قبل الحدث ليس كما بعده بالطبع! فالزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا في آن واحد عام 2023م في الأسبوع الأول من فبراير/شباط آنئذ لن يكون ما بعده كما قبله على الصّعُد الجيوسياسية والإستراتيجية.

كان ذلك فحوى المقال الذي كتبته في ذلك التاريخ عبر منصة «عدن الغد» تحت عنوان: «الزلزال العظيم وآثاره السياسية».

وعند إعادة قراءة تلك السطور بعد أكثر من أربعين شهرًا تبدو الفكرة التي كانت يومها استشرافًا للمستقبل تبدو أقرب إلى قراءة مبكرة لمسار لم يتوقف عن التشكل.


فالمنطقة التي ضربها الزلزال ليست هامشًا في النظام الدولي بل تقع في واحدة من أكثر نقاط العالم حساسية بين القارات والممرات والمصالح. إنها منطقة يمكن وصفها بأنها «قلب» جغرافي للعالم.

والقلب في وظائفه الحيوية لا يعمل منفصلًا عن بقية الجسد بل يضخ ويوزع ويعيد إنتاج دورة الحياة عبر شبكة من الشرايين والأوردة. وما يصيب القلب لا يبقى في القلب بل تنتقل آثاره إلى الجسد كله. وهكذا هي الجغرافيا أيضًا.

فحين تتفاعل منطقة تقع عند ملتقى آسيا وأوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود والبحر المتوسط فإن ارتدادات تفاعلاتها لا تتوقف عند حدودها السياسية.

بدا لي منذ الأيام الأولى للزلزال أن المسألة تتجاوز حدود الكارثة الطبيعية، وأن سؤالًا هامًا لا بد من طرحه:

هل نحن أمام لحظة تاريخية تتزامن فيها التحولات الجغرافية مع تحولات النظام الدولي؟ فالزلزال في أقل من دقيقة فعل ما عجزت عنه خرائط سياسية عمرها قرن من الزمن من حيث «كَشْفِ» هشاشة الحدود أمام حقائق الجغرافيا والتاريخ.

في 2023 كانت تركيا تقف على عتبة مرور مئة عام على معاهدة «لوزان» التي شكلت أحد أهم الأطر القانونية والسياسية لتركيا الحديثة. وفي الخلفية التاريخية تقف ترتيبات (سايكس ـ بيكو) التي رسمت في سياق الحرب العالمية الأولى أجزاء واسعة من خريطة المشرق وحددت مناطق النفوذ بين القوى الاستعمارية الكبرى. لم تكن الإشارة إلى (لوزان) و(سايكس ـ بيكو) في ذلك المقال مجرد استدعاء للتاريخ بل محاولة لقراءة العلاقة بين «الزمن السياسي والجغرافيا».

فالجغرافيا لا تلغيها المعاهدات وإن كانت المعاهدات تستطيع أن تعيد تنظيم استخدامها ووظائفها السياسية. وما كان يبدو في الماضي خريطة ثابتة يمكن أن يتحول مع تغير موازين القوى إلى خريطة قابلة لإعادة القراءة.

لم تكن الفكرة أن (سايكس ـ بيكو) ستختفي بحد ذاتها، وإنما أن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة من إعادة تعريف النفوذ والوظائف والحدود الفعلية.وهذا ما كشفت عنه السنوات التي تلت الزلزال بصورة أكثر وضوحًا.

فالعالم لم يعد يتحرك وفق خرائط الدول وحدها وإنما وفق خرائط أخرى تتعلق بالطاقة والتجارة والموانئ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد والأمن الإقليمي ومناطق النفوذ.وهكذا أصبحت «الممرات» أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ولم يعد السؤال: من يملك الأرض؟ بل: من يملك القدرة على التحكم في حركة التجارة والطاقة والاتصال والأمن عبرها؟ وهنا تتقدم الجغرافيا من جديد لتستعيد دورها في صناعة السياسة الدولية.

فالموقع الذي يمتلك منفذًا بحريًا أو يجاور ممرًا تجاريًا أو يتحكم في عقدة اتصال بين قارات لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد مساحة جغرافية بل باعتباره وظيفة إستراتيجية.

من المفارقات التي أثارت الانتباه عقب الزلزال أن الاتحاد الأوروبي وصف الكارثة بأنها من أكبر الكوارث التي شهدتها أوروبا خلال قرن. وكان السؤال الذي طرحتُه يومها:

متى كانت جنوب الأناضول وشمال غرب الشام جزءًا من أوروبا؟!

لقد أمضت تركيا عقودًا وهي تحاول الاقتراب من الاتحاد الأوروبي فيما ظل الجدل حول هويتها وموقعها وحدود انتمائها الأوروبي قائمًا.لكن الزلزال أعاد ولو بصورة رمزية تذكير أوروبا بأن الجغرافيا أكثر تعقيدًا من التصنيفات السياسية.

فتركيا ليست أوروبا فقط ولا آسيا فقط، وليست مجرد دولة تقع على حدود نظامين بل دولة تقع في نقطة اتصال بين نُظم جغرافية وسياسية وأمنية واقتصادية متعددة.

والأهم أن سوريا وتركيا والمنطقة المحيطة بهما لا يمكن فصلها عن أمن أوروبا ومصالحها مهما حاولت الخرائط السياسية أن تفعل ذلك. ومن هنا كان الزلزال بالنسبة لي كاشفًا أكثر منه صانعًا.

فهو لم يصنع التحولات التي نشهدها لكنه كشف هشاشة الكثير من المُسَلمات التي اعتادت السياسة الدولية التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية.

كان السؤال الأكثر أهمية بالنسبة لي وما زال: أين العرب من هذه التحولات؟

فإذا كان العالم يعيد اكتشاف أهمية الجغرافيا، وإذا كانت القوى الكبرى تعيد ترتيب أولوياتها وفق الممرات والموانئ والطاقة والأمن والاتصال، فالمنطقة العربية ليست خارج المعادلة. بل في مركزها؛ لكن امتلاك الموقع لا يعني بالضرورة «امتلاك القوة».

فالموقع يتحول إلى إمكان جيوسياسي لكنه لا يصبح وظيفة إستراتيجية إلا بوجود «الدولة» القادرة على توظيفه.

والدولة لا تستطيع تحويل موقعها إلى قوة حقيقية إلا حين تلتقي الجغرافيا مع الاستقرار والمؤسسات والبنية التحتية والقرار السياسي والقدرة الاقتصادية.وهنا تكمن المشكلة العربية الكبرى!!

لدينا جغرافيا استثنائية وممرات بحرية ومنافذ إستراتيجية وموارد هائلة وامتداد جغرافي يصل بين القارات؛ لكننا نتعامل مع هذه المزايا بوصفها معطيات طبيعية لا بوصفها أدوات قوة.

ولأن القوى الكبرى تتعامل مع الجغرافيا العربية باعتبارها «ممرات» و«مفاتيح» و«مراكز نفوذ» و«مصالح» إستراتيجية.

فبعد مرور ثلاث ونصف من السنوات على نشر المقال شهد العالم حربًا متواصلة في أوكرانيا، وحروبًا مترابطة في الشرق الأوسط، مع تصاعد حاد في التنافس الدولي، واضطرابات في سلاسل التجارة والطاقة، أدت إلى توترات متزايدة أعادت الخليج العربي والبحر الأحمر وخليج عدن إلى سُلّم الأولويات الدولية.

وهكذا أصبحت الجغرافيا البحرية من الأسود إلى المتوسط فالأحمر والعربي، جزءًا من صراع أوسع على الممرات والشرايين التي تتحرك عبرها التجارة والطاقة والقوة. وهذا هو بالضبط ما وقفت عنده المقالة تلك في فبراير 2023م.

فالزلزال لم يكن هو الذي غيّر العالم. لكن العالم كان يتحرك نحو مرحلة جديدة ثم جاء الزلزال ليكون إحدى اللحظات الكاشفة عن عمق التحول.

ولذلك فإن إعادة التذكير بالمقالة ليس استعادة لنص قديم، إنما باعتبارها «وثيقة» استشرافية كُتبت في لحظتها، ثم جاءت السنوات اللاحقة لتجيب عن تساؤلاتها ولتضعها ومضامينها أمام الواقع.