ظهرت نتائج بيزا 2025، وكدت أسير في ركب المهاجمين والمحللين الذين يرون في النتائج مادة جاهزة للوم وزارة التعليم، دون أن يتوقفوا طويلًا عند الأسباب، أو يقدموا حلولًا عملية يمكن أن تساعد في تحسين نتائج الطلبة في الجولة القادمة.

المشكلة أننا كثيرًا ما نقارن النتائج بالنتائج، من دون أن نضع في الاعتبار اختلاف السياقات؛ أعداد الطلبة، واتساع الرقعة الجغرافية، وتنوع البيئات التعليمية، والفوارق الاجتماعية والاقتصادية، فضلًا عن التغيرات المتسارعة التي طرأت على حياة الطالب والأسرة والمدرسة، والتحولات التقنية التي أعادت تشكيل مفهوم التعلم نفسه.

وهذا لا يعني بحال التقليل من أهمية نتائج بيزا أو البحث عن مبررات لها. على العكس تمامًا؛ الأرقام مهمة، والمقارنة مهمة، لكن قراءة الأرقام في سياقها أهم.


بيزا ليست شهادة نجاح أو إخفاقًا للتعليم السعودي، وليست محكمة نبحث فيها عن متهم. إنها واحدة من أهم أدوات التشخيص الدولية التي يمكن أن تساعدنا على رؤية ما يحدث داخل منظومتنا التعليمية من زاوية مختلفة.

ولذلك فإن السؤال الذي أراه أكثر أهمية من: أين نحن في الترتيب؟ هو: ماذا قالت لنا النتائج عن الطالب السعودي، وماذا ينبغي أن نبني استنادًا إلى ما قالته؟

وهنا تبدأ القضية الحقيقية. حين تكشف بيزا ما وراء الرقم. النتيجة لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها رقمًا منفصلًا، بل باعتبارها مؤشرًا على مجموعة من القدرات التي يحتاج إليها الطالب في حياته ودراسته ومستقبله.

فالقراءة ليست القدرة على نطق الكلمات وفهم معناها المباشر، وإنما القدرة على قراءة نص معقد، وتحليل المعلومات، والتمييز بين الحقيقة والرأي، وربط الأفكار، واستخلاص الاستنتاجات.

والرياضيات ليست حفظ القوانين وحل المسائل النمطية، وإنما القدرة على التفكير الكمي، وفهم المشكلة، واختيار الإستراتيجية المناسبة، وتطبيق المعرفة في موقف جديد.

والعلوم ليست حفظ المفاهيم والتعريفات، وإنما تفسير الظواهر، وقراءة الأدلة، وبناء الاستنتاجات، واستخدام المعرفة العلمية في الحياة.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس فقط: كم نقطة حصلنا عليها؟ بل: أي مهارات يحتاج طالبنا إلى بنائها بصورة أقوى؟

هذه النقلة في التفكير هي التي يمكن أن تجعل من بيزا نقطة انطلاق، بدل أن تكون مجرد مناسبة موسمية للجدل.

وسط الحديث عن النتائج، يجب ألا نمر مرورًا سريعًا على أي تقدم تحقق في العلوم.

فإذا كان هناك مجال استطاع فيه النظام التعليمي أن يحقق تحسنًا ملموسًا - والعلوم سجلت فعلًا قفزة 23 نقطة عن الدورة السابقة - فهذه ليست مجرد نتيجة تستحق الاحتفاء، بل دليل مهم على أن التحسن ممكن عندما تتوافر السياسات والأدوات والتنفيذ والمتابعة في الاتجاه الصحيح، وهذه النقطة في غاية الأهمية.

لأن الخطأ أن ننظر إلى النتائج المتراجعة باعتبارها قدرًا لا يمكن تغييره، كما أن الخطأ المقابل أن نتعامل مع النتائج الإيجابية باعتبارها نهاية الطريق.

الأصح أن نسأل: ما الذي فعلناه عندما تحسنت العلوم؟ وما الذي يمكن نقله من عوامل النجاح إلى القراءة والرياضيات؟

فالتعليم لا يتحسن بالشعارات، ولا بتغيير عنوان مقرر أو إضافة اختبار، وإنما ببناء منظومة تستطيع اكتشاف فجوة التعلم مبكرًا، وتقديم تدخل مناسب، وقياس أثره، ثم تعديل المسار باستمرار. وهنا أرى أن لدينا فرصة حقيقية.

من المقرر الثابت إلى التعلم الذي يستجيب للطالب، لا يمكن أن نواجه طالبًا متغيرًا بأداة تعليمية ثابتة.

فالطالب اليوم يقرأ بطريقة مختلفة، ويبحث بطريقة مختلفة، ويتعامل مع المعرفة بطريقة مختلفة، ويستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي قبل أن يصل إلى المدرسة أحيانًا.

ومع ذلك ما زلنا في كثير من الأحيان نبني التجربة التعليمية على افتراض أن جميع الطلبة يبدؤون من النقطة نفسها، ويتقدمون بالسرعة نفسها، ويحتاجون إلى التدخل نفسه. وهذا الافتراض لم يعد صالحًا.

الحل ليس في إلغاء المقرر، وإنما في إعادة تعريفه. المقرر الذي اقترحناه سابقًا تحت مفهوم «المقرر الذكي» لا ينظر إلى الكتاب باعتباره مادة ثابتة تنتهي بانتهاء الفصل الدراسي، وإنما باعتباره بيئة تعلم تستطيع أن تتكيف مع الطالب، وتقرأ أداءه، وتكتشف مواطن القوة والضعف لديه، وتقترح مسارات تعلم مختلفة وفق احتياجه.

الفكرة ليست أن يحل الذكاء الاصطناعي محل المعلم، وإنما أن يمنح المعلم شيئًا كان من الصعب امتلاكه على نطاق واسع: صورة دقيقة ومستمرة عن تعلم كل طالب.

فالطالب الذي يقرأ النص بسرعة ويجيب بصورة سطحية ليس بالضرورة طالبًا يحتاج إلى مزيد من الصفحات، بل قد يحتاج إلى نوع مختلف من التدخل.

وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة تشخيص وتخصيص، وليس مجرد أداة لإنتاج المحتوى.

وفي الرياضيات.. لماذا لا يكون لكل طالب مساره؟ إذا كانت الرياضيات من المجالات التي تحتاج إلى تدخل أكثر دقة، فإننا بحاجة إلى الانتقال من فكرة «شرح الدرس للجميع» إلى فكرة «مساعدة كل طالب على تجاوز عثرته الخاصة».

ومن هذا المنطلق جاء تصور المعلم الافتراضي للرياضيات لطلبة الصف الثامن، بلغة المنهج السعودي، بحيث لا يكتفي بتقديم الإجابة، وإنما يحاول تحديد موضع التعثر في سلسلة المهارات التي سبقت السؤال.

فإذا أخطأ الطالب في مهارة معينة، لا ينبغي أن نعيد له السؤال نفسه عشر مرات، وإنما نعود إلى المهارة التي تسببت في الخطأ، ثم نبني منها طريقًا جديدًا نحو المفهوم المطلوب. والأهم أن هذا النوع من الأدوات يجب ألا يعمل منفصلًا عن المدرسة.

الذكاء الاصطناعي يقترح، ويشخّص، ويتمرن مع الطالب؛ أما القرار التربوي النهائي فيبقى للمعلم. هذه ليست مسألة تقنية فقط، وإنما مسألة تربوية وأخلاقية.

فالطالب ليس رقمًا في نظام، والخطأ ليس دائمًا خطأ معرفيًا، وبعض الإشارات التي تظهر في تفاعل الطالب تحتاج إلى تدخل بشري لا إلى قرار خوارزمي.

نجاح المملكة في تضييق بعض الفجوات التعليمية والاجتماعية - فقد تقلصت الفجوة بين الطالب الميسور والأقل حظًا إلى 47 نقطة، بعد أن كانت قريبة من 85 نقطة - يجب أن يدفعنا إلى الانتباه إلى فجوة جديدة قد تكون أكثر خطورة: فجوة القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي للتعلم.

فالطالب الذي يملك في المنزل أدوات متقدمة، ووالدين قادرين على توجيهه، ومصادر تعليمية متعددة، ليس كطالب لا يملك سوى ما تقدمه له المدرسة.

وإذا تركنا الذكاء الاصطناعي للسوق أو للقدرة الفردية، فقد يتحول من أداة لتقليص الفجوات إلى أداة لتوسيعها. ولهذا يجب أن يكون المبدأ واضحًا:

إذا كان الذكاء الاصطناعي جزءًا من مستقبل التعليم، فيجب أن يحصل عليه الطالب بوصفه حقًا تعليميًا منظمًا، لا امتيازًا لمن يستطيع شراءه.

وهنا يمكن للأدوات التعليمية الوطنية، ومنها المقرر الذكي والمعلم الافتراضي، أن تؤدي دورًا أكبر من مجرد تحسين التحصيل؛ يمكن أن تصبح جزءًا من سياسة عدالة تعليمية جديدة.

لسنوات طويلة اعتدنا أن ننظر إلى التجارب الدولية الناجحة باعتبارها نقطة البداية والنهاية. سنغافورة لديها تجربة، وإستونيا لديها تجربة، وفنلندا لديها تجربة، وغيرها لديها نماذج تستحق الدراسة والاستفادة. لكن المملكة اليوم ليست في موقع يسمح لها بأن تكون مستوردًا دائمًا للحلول.

لدينا تجربة تعليمية ضخمة، وبنية رقمية واسعة، وقدرات بشرية وتقنية، وسوق تعليمية كبيرة، والأهم أن لدينا نتائج يمكن أن تخبرنا أين نجحنا وأين نحتاج إلى مزيد من العمل. لذلك يمكن أن يكون السؤال التالي بعد بيزا 2025:

هل نستطيع أن نبني نموذجًا سعوديًا لمعالجة فجوات التعلم، بدل أن نبحث كل مرة عن نموذج جاهز نستنسخه؟ والمقصود بالنموذج السعودي ليس اختراع شيء بمعزل عن العالم، وإنما الاستفادة من أفضل الممارسات العالمية، ثم إعادة تصميمها لتناسب الطالب السعودي، والمدرسة السعودية، والمنهج السعودي، والواقع السعودي.

وهنا يجب ألا نقع في خطأ آخر: أن يتحول هدفنا من تحسين التعلم إلى تحسين ترتيبنا في بيزا فقط. فرفع النقاط مهم، لكنه ليس الغاية.

الغاية أن نخرج طالبًا يستطيع أن يقرأ بعمق، ويفكر نقديًا، ويفهم الرياضيات، ويحل المشكلات، ويقرأ الأدلة، ويتعامل بوعي مع الذكاء الاصطناعي، ويتعلم بصورة مستقلة، ويستطيع أن ينقل ما تعلمه إلى الحياة والعمل.

إذا حققنا ذلك، سترتفع نتائج بيزا وغيرها من الاختبارات باعتبارها أثرًا للتحسن، لا هدفًا منفصلًا عنه.

وهذا هو الفرق بين نظام تعليمي يدرّب الطالب على الاختبار، ونظام تعليمي يبني الطالب الذي يستطيع النجاح في العالم الذي يأتي بعد الاختبار.