هكذا أنت حقًا عشت نبيلا بالاسم والفعل وطاهر الأثواب حيًا، وهكذا أنت حي أيضا كجزالة الحرف الشفيف الذي علمني وجودك دائمًا بأننا نأخذ من الأيام أجمل ما فيها.
لم أعرف في حياتي كاتبًا ملتحمًا بالكتابة مؤمنًا بها وأمينًا عليها كالتحام والدي بها، فمنذ أن تفتح وعيي وأنا أراه مصاحبًا للكتب والمذكرات والأقلام مستغلًا ومشغولًا بها بشغف عجيب، يهتف بدهشة وسعادة حين يقرأ عبارة تعجبه، وقصيدة تطربه، وفائدة يدونها في مذكراته، وهو من كتب أعذب المذكرات ودون أجملها في مؤلفاته التي رسم بها التاريخ. وانعكست ملاحمه على تضاريسها لأكثر من خمسين عامًا في بحور التاريخ والأدب، وبطون الأنساب والألقاب والعزاوي، يتحدث عن الأفكار والنصوص والشخصيات الأدبية والكتب كما يتحدث عن أناس نعرفهم شخصيًا... من فرط عذوبة حديثه الساحر ورقة نفسه الطيبة ومفرداته المليحة حين الحديث معه يبدو لك وكأنه شخصية خارجة من بطن الكتب وعادت إليها سريعًا، والحق لا أجانب الصواب عندما أقارن تلك البلاغة والبيان بما دونه التراثي الكبير أبوحيان التوحيدي في الأدب ومصداقية التأريخ وأمانته كما كتبه أحمد أمين، وسرده واطلاعه النهم والواسع كما هو الحال لدى طه حسين.
كتب العديد من الكتب والمذكرات، وكان الرجال في صدر اهتماماته عندما كتب (رجال في الذاكرة) والتاريخ في قلبه دائمًا وهو الذي يشدو حب الرجال الأوفياء الذين خدموا هذا الوطن العظيم وصنعوا تاريخا ضاربا في أركانه منذ بداية تأسيس هذا الوطن المقدس وصولًا لتوحيد بلادنا المباركة بقيادة المؤسس الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه.
كانت الكتابة قضية مصيرية بالنسبة له وخياره الوجودي الوحيد العذب؛ فبعد أن قطع شوطًا في سنوات الكتابة والتدوين يكتب بلغة حانية ومهذبة يطلب بها من الآخرين مشاركته ملاحظاتهم ورؤاهم وهو نجده يكتب الملاحظة التالية: بعد جهود مضنية، إذ لا بد من شح الكمال في معظم الأمور، ولا كمال إلا لله جل جلاله، ولا بد من الملاحظات العابرة مهما اجتهدنا، والذي آمله من الأحبة القراء مشاركتي بالاتصال المباشر. فهو لم يدخر فضلًا في حياته على نفسه، ولا حتى في مشاريعه الفكرية والأدبية التي بدأها منذ مطلع الثمانينيات الهجرية ليبزغ نجمه كاتبًا محبًا لوطنه ورجاله وتاريخه. يفتتح دومًا مع بداية كتاب جديد وعمل مهما تنوعت مساراته واتجاهاته في تقديم الإهداء إلى والده، وهو الابن البار الذي علمنا معنى البر وتقوى النفس، يكتب في إهداء: إلى روح والدي الغالي الذي رحل عن هذه الدنيا الفانية، وهو مثلي الأعلى وقدوتي، الذي علمني صغيرًا وشد أزري كبيرًا، وحبب لي المعروف وعلوم الرجال التي لا تقل أبدًا عن العلوم الأخرى..
لم يكن أبًا عاديًا ولا مربيًا كباقي المربين. علمنا أن العلم رأس مال من لا رأس مال له، وأن التواضع شيمة الكبار والعظماء، علمنا أن الرجال مواقف وأن الكرم شجاعة، وأن الشجاع يحبه حتى عدوه، علمنا أن الصدق نجاة وأن الكذب يذهب بنور الوجه، علمنا أن زينة الرجل غيرته، وأن الرجال صناديق مقفلة مفاتيحها التجارب، (نعم يا أبي لقد علمتنا الكثير الكثير، وفاتك الكثير أيضًا؛ علمتنا أن الرجل لا يضعف، لكن فاتك أن تعلمنا كيف نقوى على فراقك!)
لعل ما يخبرنا به دومًا في كتاباته وحديثه أن وظيفة الكتابة، هي استخراج قيمة إنسانية بالدرجة الأساس، فكيف يسعى الأديب والمؤرخ إلى ذلك دون الولوج في تحجيم ذاته بالاشتغال بألعاب السيرك اللغوي أو بالبحث - لمجرد البحث - عن قيمة للكاتب فقط وتبرير كتاباته !
إن اللحظات التي تمضي من الحياة دون أن يرصدها كاتب نبيه وأديب بليغ ومؤرخ أمين، هي لحظات ميتة، وهي اللحظات التي أحياها والدي في أمانته التاريخية وأدبه الجمّ في مختلف مشاريعه التاريخية والأدبية ومقالاته الطويلة في سلسلة رجال في الذاكرة، ذلك السفر الكبير والمرجع الحاوي كبرى مشهديات الوقائع السيرية للرجال في بلادنا الغالية وكتابه الماتع حد الإدهاش الحاوي لأشهر الألقاب والعزاوي، وليست انتهاء بالكتاب الذي لا يقل أهمية، وكان مخلصا له حتى آخر لحظة في حياته الطاهرة وسنواته الجليلة أيسر الدلائل لبعض أسر القصيم وحائل حتى تطرزت أفكاره تجاه محبوبته ومسقط رأسه بريدة، عندما أعاد سيرة الذاكرة له في كتابه ذاكرة بريدة، وكما أنك تشاهد تداعي الذكريات التي انتهجها مارسيل بروست في سفره الضخم (بحثًا عن الزمن المفقود).
كلما مرّت بي صورة لأبي انقشع الغبار عن الماضي، ولاحت لي تلك الأيام التي أقبل رأسه فيها، في تلك اللحظات أشتاق لأقبله أيضا وأقول له:
- كل الكتب التي قرأتها لم تكشف لي الحقيقة كما كشفتها لي كلماتك أيها المبجل العظيم والمهاب الكريم.. الكتب تعلمنا كيف نسير..
وخبرة الآباء تعلمنا أين نسير..
فماذا يكسب الإنسان حين يجمع بين الكيف والأين؟
رحيلك أصابني بالصمت المرير، صمت غريب وجارح لم يمكنّي من كتابة شيء يناسب جمال ابتسامتك وعطفك وأبوتك الحانية، ما يزعج المرء حقا هي لحظات الوداع أيا يكن نوعه، فالإنسان كائن ارتحالي بالضرورة، ولعل أكثر ما يهلك الإنسان هي الحروف التي تجرح الفم في لحظات ذلك الوداع وإشارات السلام النهائية..
حسنًا كيف لي أن أودعك أيها الجبل المهيب والغيث الهاطل!!
غادرتنا سريعًا مثل نسمة عذبة، مثل طيف جميل، مثل فارس همّام يتوق إلى حياة أفضل !
غادرتنا لتثبت أن الفراق أبلغ، وتركت حفنة من الذكريات لا تعرف العودة ولا النسيان، سلامًا على روحك النقية سلامًا على موتك الهادئ - فالرياح تمحو والرمال تتذكر – كما يصف سعدي يوسف.
ودعتنا كما جئت طاهر الأثواب صادق العزم وعفيف اللسان دون أن نتزود جيدا من حمولة النبل الإنساني الذي يرافقك، ولتجعل الذاكرة حية ويقظة تردد ذكراك:
«أريد أن أكتب عن لحظات أعتبرها هبات، عن لحظات طيبة».