4 أيام يفصلها يومين تعد مصدر خوف وقلق للحوثيين؛ إذ يأتي يوم 21 سبتمبر، الذي يقدمه الحوثيون في خطاباتهم باعتباره «ثورة 21 سبتمبر»، وهو اليوم الذي تمكنوا فيه من السيطرة على العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة، ليحل في خطابهم محل يوم 26 سبتمبر.

وفي الواقع السياسي والعسكري، يمثل 21 سبتمبر 2014 اليوم الذي تمكن فيه الحوثيون من السيطرة على العاصمة صنعاء ومؤسسات ومواقع عسكرية رئيسية، بعد توسعهم العسكري من صعدة باتجاه العاصمة. أما 26 سبتمبر، فيهدم الرواية التي يحاول الحوثيون فرضها على اليمنيين؛ فهي ذكرى ثورة أسقطت حكم الإمامة وأقامت الجمهورية، ولذلك فإن حضورها الشعبي يذكر اليمنيين بأن الإمامة ليست قدرًا، وأن الجمهورية هي الخيار الذي اختاره اليمنيون قبل عقود.

ويقول وزير المياه والبيئة توفيق الشرجبي لـ«الوطن»:


يمثل 21 سبتمبر 2014 تاريخ الانقلاب الحوثي على السلطة والشرعية التوافقية في صنعاء، وهو الحدث الذي يجمع أغلب اليمنيين والمراقبين للشأن اليمني على أنه نقطة التحول الأكثر كارثية في تاريخ اليمن الحديث.

وأدى هذا السقوط المقلق للمؤسسات وإلغاء مخرجات الحوار الوطني إلى تجريف مقومات الدولة اليمنية، وإدخال البلاد في أتون حرب أهلية وإقليمية ممتدة، أفرزت تداعيات كارثية على المستويات كافة.

ومن أبرز تلك التداعيات:

أولًا: إسقاط الدولة وانهيار التوافق الوطني

قوض الانقلاب الحوثي مسار الانتقال السلمي للسلطة ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل التي اتفق عليها اليمنيون، واستُبدلت بمؤسسات الدولة هياكل موازية، مثل «اللجان الثورية» و«الأنشطة المشرفة»، التي سيطرت بالقوة على المؤسسات.

ثانيًا: نشوب الحرب الأهلية والتدخل الإقليمي

تسبب التمدد العسكري للحوثيين والاستيلاء على مؤسسات الجيش في تفجير صراعات مسلحة واقتتال داخلي، كما أدى تهديد دول الجوار وإجراء مناورات عسكرية على الحدود الشمالية، وفتح موانئ ومطارات يمنية أمام الحرس الثوري الإيراني، إلى تدخل التحالف العربي واندلاع مواجهات واسعة.

ثالثًا: نهب الاحتياطيات النقدية والتسبب بأكبر أزمة إنسانية في العالم

تأثر الاقتصاد الوطني بشكل حاد نتيجة نهب الاحتياطي النقدي، وتوقف الصادرات، وانقطاع مرتبات موظفي القطاع العام لسنوات، مما وضع ملايين اليمنيين تحت خط الفقر وعلى شفا المجاعة، بحسب تقارير الأمم المتحدة.

رابعًا: تمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي في اليمن

أسهم فرض أيديولوجيا سلالية وطائفية بقوة السلاح في تعميق الانقسام المجتمعي، وتراجع حرية التعبير، وتجريف الحياة السياسية والحزبية والمجتمع المدني، وإلغاء حرية الرأي، وإغلاق الصحافة والسيطرة على الإعلام.

خامسًا: تدمير البنية التحتية والقطاعات الخدمية

تضررت المنظومة الصحية والتعليمية، وإمدادات المياه والطاقة، وشبكات الطرق بشكل هائل، مع تراجع الخدمات الأساسية إلى درجة الانهيار الكلي في العديد من المناطق، في ظل تخلي الميليشيات عن تقديم الخدمات الحيوية للمواطنين أو حتى إدارتها في مناطق سيطرتها.

سادسًا: الاعتداء على موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإغاثية

مارس الحوثيون ضغوطًا هائلة على هذه المنظمات لإجبارها على تعزيز اقتصاد الحرب ودعم الجبهات القتالية، بغض النظر عن واجباتها الأساسية في دعم الفئات الضعيفة من المجتمع اليمني. وأدى ذلك إلى توقف المساعدات واعتقال العشرات من موظفي الأمم المتحدة في صنعاء، واتهامهم بالخيانة وتقديم معلومات إلى الخارج.

ذاكرة سبتمبر الحوثية

أوضح عضو الفريق القانوني للمجلس الرئاسي

وزير الأوقاف الأسبق الدكتور أحمد عطية

بأن هناك عدة أسباب مرتبطة بطبيعة هذا التاريخ:

21 سبتمبر هو تاريخ دخول الحوثيين صنعاء عام 2014 والسيطرة على مؤسسات الدولة، ولذلك فهو بالنسبة لهم مناسبة سياسية يريدون تثبيت روايتهم حولها، بينما يراها خصومهم ذكرى للانقلاب والسيطرة المسلحة على العاصمة.

المشكلة الأكبر بالنسبة لهم هي المقارنة بين 21 سبتمبر و26 سبتمبر. فـ26 سبتمبر ترمز إلى الثورة التي أسقطت الحكم الإمامي وأعلنت الجمهورية عام 1962، ولذلك فإن انتشار شعارات الجمهورية ورفع العلم اليمني وإحياء سبتمبر يشكل تحديًا رمزيًا للرواية الحوثية. وقد وثقت تقارير حملات اعتقال بحق يمنيين بسبب الاحتفال بذكرى 26 سبتمبر أو نشر محتوى عنها.

21 سبتمبر يذكّر اليمنيين أيضًا بما حدث بعد السيطرة على صنعاء: الحرب، الانقسام، تراجع الخدمات، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية. لذلك تتحول المناسبة من احتفال بالنسبة للحوثيين إلى مناسبة تستدعي أسئلة ومراجعة لدى قطاعات من المجتمع. وفي السنوات السابقة اتخذ الحوثيون إجراءات أمنية واسعة بالتزامن مع الذكرى..

هناك بُعد أمني وسياسي حالي أيضًا. ففي 2026 عادت المواجهات إلى التصاعد بعد سنوات من الهدوء النسبي، وحذرت جهات دولية من خطر عودة الصراع واسع النطاق؛ وبالتالي فإن أي مناسبة جماهيرية في مناطق سيطرة الحوثيين تحمل بالنسبة لهم حساسية أمنية أكبر. والخلاصة: الخوف الحقيقي ليس من رقم 21 سبتمبر بحد ذاته، وإنما من أن يتحول التاريخ الذي يريد الحوثيون تقديمه باعتباره «ثورة» إلى مناسبة يستعيد فيها اليمنيون رواية أخرى: الدولة والجمهورية وثورة 26 سبتمبر، ثم يقارنون بين أهدافها وبين واقع السنوات التي تلت السيطرة على صنعاء.

وهذا يفسر لماذا تكون أيام سبتمبر عمومًا شديدة الحساسية لدى الحوثيين، وليس يوم 21 سبتمبر وحده.

من جانبه، أكد وزير الشؤون الاجتماعية والعمل مختار اليافعي لـ«الوطن»:

إن يوم 21 سبتمبر بالنسبة للحوثيين ليس مجرد تاريخ عابر، بل هو التاريخ الذي يقدمونه في خطابهم باعتباره «ثورة 21 سبتمبر». وفي الواقع السياسي والعسكري، هو اليوم الذي تمكنوا فيه من السيطرة على العاصمة صنعاء ومؤسسات ومواقع عسكرية رئيسية، بعد توسعهم العسكري من صعدة باتجاه العاصمة.

أما 26 سبتمبر، فيهدم الرواية التي يحاول الحوثيون فرضها على اليمنيين؛ فهي ذكرى ثورة أسقطت حكم الإمامة وأقامت الجمهورية، ولذلك فإن حضورها الشعبي يذكر اليمنيين بأن الإمامة ليست قدرًا، وأن الجمهورية هي الخيار الذي اختاره اليمنيون قبل عقود.

والأهم أن الحوثيين يريدون إحلال 21 سبتمبر محل 26 سبتمبر في الوعي العام، لكنهم يدركون أن 26 سبتمبر، بما تحمله من رمزية جمهورية، يكشف التناقض بين الروايتين. ولهذا تتحول الذكرى في مناطق سيطرتهم إلى مناسبة شديدة الحساسية، وصلت فيها الإجراءات إلى اعتقال مواطنين بسبب الاحتفال بها أو التعبير عنها.

26 سبتمبر يقلق الحوثيين؛ لأنه ليس مجرد تاريخ في التقويم، بل ذاكرة شعبية تقول بوضوح إن اليمنيين ثاروا على الإمامة، ولن يقبلوا إعادة إنتاجها تحت أي مسمى.