حين سمى ابن أخي ابنه (راشد) لم يكن يعرف أنه لا يختار اسمًا فقط، بل يفتح في العائلة نافذةً أخرى على رجلٍ غاب قبل سنوات، ليستعيد سيرته بين الأحياء.
كان أخي راشد، واحدًا من أولئك الذين لا يحتاجون إلى جهد كي يُحَبّوا، كان دائم الابتسامة، واسع العطاء، قريبًا من القلوب، يترك في كل مجلس شيئًا من دفء روحه. لم تكن طيبته موقفًا عابرًا، بل طبعًا أصيلًا، ولم تكن ابتسامته زينةً للوجه، بل طريقةً في النظر إلى الناس والحياة.
رحل راشد فجأة، بلا مقدمات، استسلم للنوم فصعدت روحه ولم تعد، وبقيت منه فينا مساحة لا تُملأ، ثم، بعد سنوات، جاء حفيده إلى الدنيا يحمل اسمه، وشيئاً من ملامحه.
لم يعاصر راشد الحفيد جدَّه، لم يجلس معه، لم يسمع صوته، لم يتعلّم منه كيف يبتسم، ولا كيف يُقبل على الناس، ومع ذلك، حين كبر، بدأنا نرى في حضوره أشياء لم تكن تُدرَّس ولا تُلقَّن. كان لديه اللطف نفسه، وتلك السهولة في الاقتراب من الآخرين، والعطاء الذي لا ينتظر شكرًا، كان يبتسم بالطريقة ذاتها التي تُشعرك أن الدنيا، مهما ضاقت، ما زال فيها متسع للخير.
لم يكن نسخة طبق الأصل من جده، كانت له روحه الخاصة، زمنه، أحلامه التي تخصه، وطريقه الذي بدأه في بلد بعيد وهو يطلب العلم ويبني مستقبله. لكنه كان يحمل في داخله صدى راشد الأول، كأن الجين لا يمرر لون العينين وملامح الوجه فحسب، بل يمرر أيضًا شيئًا أكثر خفاءً، كاريزما الإنسان، سجيته، طريقته في الحضور، وملمحه الخاص في قلوب الناس، كيفية نشأته، فنشأ راشد بابتسامته، الجينات المرتبطة، أثناء عملية التخلق وانتقال الصفات، تميل إلى الانتقال معاً كحزمة واحدة، فانتقلت من راشد إلى راشد مروراً بأبيه، وكأن الجينات المسؤولة عن ملامح وجهه، تعابير عينيه، وبنية جسده التي تشبه إلى حد كبير جده، لم تنتقل وحدها بل صاحبتها الجينات المسؤولة عن تركيبة جهازه العصبي وسلوكه، ليكون هادئاً، كريماً، بشوش الوجه مثله.
هناك أخلاق لا نعرف كيف وجدت طريقها عبر الأجيال، لا تُرى تحت المجهر، ولا تُكتب في شجرة العائلة، لكنها تظهر فجأة في ابتسامة حفيد، وفي يده الممدودة بالعطاء، وفي قلبٍ يتسع للناس كما كان يتسع قلب جدّه. كأن بعض الأرواح الطيبة تترك في نسلها بصمة لا تزول، فتعود إلينا في شخص جديد، لا ليكون بديلًا عن الغائب، بل ليقول لنا (إن الخير لا ينتهي برحيل أصحابه)
ربما اختلف راشد عن جده في شكل أنفه، قصة شعره، في الملامح التي لا تُحدث الفرق، لكنه كان يشبهه في ذلك الجوهر الذي لا تخطئه المحبة، وكلما رأيناه، شعرنا أن راشد الأول لم يغب كله، كأننا استعدناه، لا في صورةٍ مكررة، بل في حياة جديدة وروح أخرى، تحمل النور نفسه بطريقتها الخاصة.
ولأن «الزين ما يكمل»- كما يقول المثل - كان لنا موعد لرحيل آخر، مفاجئًا وقاسيًا كالأول، اغتاله حادث مروري أليم في غربته بأمريكا، حيث كان طالبا للعلم، رحل وهو لم يكمل العشرين من عمره، للتو بدأ يتعرف على الحياة، يتأقلم عليها بعيداً عن حضن العائلة، يصنع أحبة له أينما كان بقلبه الكبير وبشاشته، ومبادرته، رحل في التاريخ نفسه الذي رحل فيه جده، بعد اثنين وثلاثين عامًا، ليترك سيرة طيبة في رحلة قصيرة.
أي مصادفة هي تلك التي ربطت قدر الراشدين، اسم وسلوك وابتسامة مشتركة، ورحيلان مفاجئان في اليوم نفسه.
لم نفقد شابًا في مقتبل العمر فحسب، فقدنا للمرة الثانية ذلك الحضور الذي أحبه الناس في راشد الأول، فقدنا ابتسامةً كنا نظنها عادت إلينا، وقلبًا معطاءً كنا نراه امتدادًا لقلبٍ رحل منذ زمن بعيد. رحم الله راشد الجد، وراشد الحفيد، رحم الله الروحين المختلفتين اللتين التقتا في سيرة وأثرٍ واحد، واتفقا على الرحيل في اليوم ذاته وإن لم يلتقيا، الاتفاق كان جيناً أبى أن ينفصل عن جينات جده.
فقدنا راشد مرتين، لكننا عرفنا من خلالهما أن بعض الناس لا يرحلون تمامًا، يتركون في الدم، وفي الذاكرة، وفيمن يحبهم، أثرًا يشبههم. رحل وهو لم يكمل العشرين من عمره، للتو بدأ يتعرف على الحياة، يتأقلم عليها بعيداً عن حضن العائلة، يصنع أحبة له أينما كان بقلبه الكبير وبشاشته، ومبادرته.