في الثالث والعشرين من سبتمبر، وفي ذكرى اليوم الوطني السعودي ، نحتفي بوطنٍ «عزّنا بطبعنا»، ونستعيد قصة وطن بدأت بوحدة الأرض والإنسان؛ حين غرس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ـ رحمه الله وطيب ثراه ـ بذرة الوحدة، فجمع أطراف البلاد تحت راية واحدة، ثم تعاقب أبناؤه الملوك على البناء والتنمية، جيلًا بعد جيل، حتى نعيش اليوم في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظهما الله ـ مسيرة وطن يفاخر بمنجزاته، ويتطلع بثقة وطموح إلى مستقبله.

كانت الزراعة جزءًا أصيلًا من هذه الحكاية؛ فمن نخيل الواحات إلى مدرجات الجبال، ومن حقول الوسط والشمال إلى الذرة والدخن والسمسم في سهول تهامة، عاش الإنسان السعودي مع أرضه، يزرع بما تيسر من الماء، وينتظر المطر والسيل، ويورث أبناءه خبرة المكان ومواسمه.

ومع بناء الدولة الحديثة بدأت الزراعة رحلة جديدة، فانتقلت تدريجيًا من نشاط يقوم بدرجة كبيرة على الخبرة المحلية المتوارثة إلى قطاع تدعمه الدولة بالمؤسسات والتمويل والبحث والإرشاد، وحفر الآبار وإنشاء السدود وشبكات الري والطرق والخدمات.


ثم جاءت مرحلة التوسع الزراعي، فدخلت الميكنة والتقنيات الحديثة، واتسعت زراعة الحبوب والأعلاف والخضروات والفاكهة والنخيل، ونمت مشاريع الدواجن والألبان، وأصبح تعزيز الأمن الغذائي هدفًا وطنيًا واضحًا.

غير أن مسيرة التنمية لا تقاس بما ننجزه فحسب، بل بقدرتنا على مراجعة التجربة والتعلم منها. فقد كشفت مرحلة التوسع أن الماء، ولا سيما المياه الجوفية غير المتجددة، من أثمن مواردنا وأكثرها حساسية، وهنا بدأ تحول مهم في الفكر الزراعي من السؤال عن كمية ما تنتجه الأرض إلى السؤال أيضًا عن كمية الماء التي نستهلكها لإنتاجه.

ومن أبرز صور هذا التحول الحد من زراعة المحاصيل الأعلى استهلاكًا للمياه، وفي مقدمتها الأعلاف الخضراء. ولم يكن ذلك تراجعًا عن الزراعة، بل انتقال بها إلى مرحلة أكثر نضجًا؛ تبحث عن التوازن بين الأمن الغذائي والأمن المائي، وتجعل استدامة الموارد جزءًا من القرار الزراعي.

واليوم، في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظهما الله ـ تمضي المملكة برؤية طموحة أعادت صياغة مفهوم التنمية، وجعلت الاستدامة وكفاءة استخدام الموارد وجودة الحياة جزءًا من بناء المستقبل. وفي هذا الإطار تدخل الزراعة في السعودية مرحلة جديدة عنوانها الكفاءة والتقنية والاستدامة؛ فالري الحديث والزراعة المحمية والزراعة الدقيقة وتحسين الأصناف والتصنيع الغذائي وسلاسل الإمداد، كلها وسائل لإنتاج قيمة أكبر من الأرض والماء، مع المحافظة على حق الأجيال القادمة فيهما.

ومن أهم ملامح هذه المرحلة إدراك الميزة النسبية لكل منطقة؛ فالمملكة باتساعها وتنوع تضاريسها ومناخاتها ليست بيئة زراعية واحدة، بل تتعدد فيها البيئات التي أودع الله في كل منها خصائص تمنحها ميزة في محاصيل بعينها. ففي سهول تهامة، إلى جانب إرثها الزراعي العريق في الذرة الرفيعة والدخن والسمسم، يهيئ المناخ شبه الاستوائي مجالًا مميزًا للفواكه الاستوائية وشبه الاستوائية. وفي صدور جبال جازان وعسير والباحة يجد البن بيئته الملائمة، وفي المناطق الشمالية تبرز زراعة الزيتون والفواكه الحجرية كالمشمش والخوخ والبرقوق، وفي الواحات يمتد إرث النخيل وإنتاج التمور، بينما تتميز مناطق من شمال المملكة ووسطها بإنتاج الحبوب، وفي مقدمتها القمح. وهكذا تصبح الميزة النسبية أساسًا لتوجيه الزراعة نحو ما يلائم المكان، ويحقق قيمة أعلى من الأرض والماء.

ولا ينبغي أن تقف الاستفادة من هذه الميزات عند زيادة الإنتاج، بل تمتد إلى تحسين الأصناف والتصنيع والتعبئة والتسويق، بما يرفع القيمة الاقتصادية للمحصول ويزيد عائد المزارع من أرضه ومائه.

لكن الحديث عن مستقبل الزراعة في وطننا يقودنا حتمًا إلى الماء. وإذا كان ترشيد الاستهلاك نصف المعادلة، فإن نصفها الآخر هو تنمية الموارد المائية المتجددة، وحسن الاستفادة مما يهبه الله لهذه الأرض من أمطار وسيول، بما يعزز استدامة الزراعة ويحافظ على مواردها للأجيال القادمة.

ومن هنا تبرز أهمية التوسع في حصاد مياه الأمطار والسيول وتنمية مواردها، وفق طبيعة كل منطقة وخصائصها؛ بالاستفادة من الوسائل المناسبة لجمع المياه وتخزينها ونشرها وتعزيز تغذية الخزانات الجوفية. فكل قدر من المياه يمكن الاحتفاظ به في التربة أو الخزان الجوفي، ضمن إدارة علمية تراعي احتياجات الوادي وأجزائه المختلفة، يمثل رصيدًا للزراعة والأمن المائي ومستقبل الأجيال.

ولا تكتمل هذه الرؤية دون حماية التربة؛ فالأرض ليست مجرد وعاء نضع فيه البذرة، وإنما مورد يتأثر بالملوحة والتعرية والانجراف وفقد المادة العضوية وسوء إدارة المياه. ومن هنا فإن حماية التربة، وتأهيل الأراضي والمدرجات الزراعية حيث تكون مجدية، ومكافحة التصحر، يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع تنمية الموارد المائية.

ويبقى المزارع في قلب هذه المنظومة؛ فمهما تقدمت التقنيات، لن تكون لدينا زراعة مستدامة من دون مزارع قادر على الاستمرار والإنتاج وتحقيق عائد كريم. ولذلك فإن البحث والإرشاد والتعاونيات والتسويق والتصنيع الزراعي وربط المزارع بالأسواق ليست خدمات جانبية، بل أجزاء من منظومة تبدأ بالبذرة ولا تنتهي إلا بوصول المنتج إلى المستهلك بقيمة عادلة وجودة عالية.

ولعل الزراعة من أجمل المجالات التي يتجلى فيها شعار يومنا الوطني «عزّنا بطبعنا»؛ فمن طباع أهل هذه الأرض الارتباط بها، والعناية بخيراتها، والصبر على زراعتها، وتوارث خبراتها جيلًا بعد جيل. واليوم نضيف إلى هذا الإرث علمًا وتقنية واستدامة، لنحافظ على الأرض التي ورثناها، والماء الذي تقوم عليه حياتها.

وفي اليوم الوطني، يحق لنا أن نفخر بما حققته الزراعة في السعودية خلال مسيرتها، وأن نستشرف بثقة ما ينتظرها في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين ـ حفظهما الله ـ وحكومة جعلت التنمية والاستدامة وبناء المستقبل في صميم مشروعها الوطني. وأجمل صور الاحتفاء بالمنجز أن نحوله إلى مسؤولية تجاه ما سيأتي؛ فكما غرس الآباء بذرة هذا الوطن وتعاقبت الأجيال على رعايتها، فإن مسؤوليتنا أن نواصل الغرس بالعلم والابتكار، وبحسن إدارة الأرض والماء، وبزراعة تجعل الأمن الغذائي والأمن المائي شريكين لا متنافسين.

في يوم الوطن، ونحن نستعيد مسيرة أرض زرعها الآباء وطورها الأبناء، فإن الوفاء لمسؤوليتنا تجاهها لا يكون بما نأخذه منها وحده، بل بما نصونه فيها للأجيال القادمة؛ أرضًا نزرعها، وماءً نصونه، وعطاءً نجعله مستدامًا.