حين وحّد الملك عبدالعزيز ـ طيّب الله ثراه ـ هذه البلاد؛ لم يكن يجمع أرضًا مبعثرة فحسب، بل كان يؤسس لمعنى الدولة: أمنٌ يحمي الناس، وقرارٌ لا يُستورد، ورايةٌ لا تتعدد.. وكان يقول: «أنا وأسرتي وشعبي جندٌ من جنود الله، نسعى في سبيل الخير وصلاح المسلمين». وهي كلمة تختصر فلسفة التوحيد: حكمٌ لا يستقوي على شعبه، ووطنٌ لا يؤجر قراره لغيره.
الفكرة التي تسبق السلاح: أن يُختطف العربي من بيته، ويُقنع بأن خصومته مع وطنه عبادة، وأن خراب مدينته انتصار، وأن الولاء خارج الحدود أسبق من الولاء لأهله وأرضه، فتحولت بعض الميادين العربية إلى ساحات تصفية حسابات.
ما أتعس العربي حين يؤجر صوته وسلاحه وقراره لمن لا يرى فيه إلا ورقةً قابلةً للاحتراق!!
لخّص الملك فيصل ـ رحمه الله ـ منطق الدولة الكريمة حين قال: «نحن دعاة سلام، ولكننا لا نقبل الضيم». فالسعودية لم تكن باحثةً عن صراع؛ لكنها لم تفهم السلام يومًا بوصفه استسلامًا، ولا حسن الجوار تفريطًا في السيادة، ولا الصبر غفلةً عن الخطر.
والإنصاف يقتضي أن يكون النقد للمشروع السياسي الذي يتخذ من الطائفية معبرًا ومن الدين غطاءً ومن الدم وقودًا؛ لا للشعوب، ولا لمذهبٍ كامل.. قال تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾.
فالدين لا يصنع ميليشيا، والمذهب لا يبرّر خيانة الوطن، والإنسان لا يُدان بعرقه.
في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز؛ بقيت البوصلة واضحة: «مصلحة الوطن فوق كل اعتبار».
من هذه البوصلة تمضي المملكة؛ لا تبني أمنها على استئجار الفوضى، ولا على تصدير العقائد، بل على قوةٍ واعية، واقتصادٍ متنوع، ومؤسساتٍ راسخة، ومواطنٍ يعرف أن وطنه ليس فندقًا عابرًا، بل بيت كبير له حرمته وحقوقه.
في الخارج؛ تتصاعد الصراعات وتضيق المساحات. في الداخل؛ تمضي السعودية في البناء: مدينةٌ تُنشأ، وطريقٌ يُمد، واقتصادٌ يتنوع، وحدودٌ يحرسها رجالٌ يدركون أن خلفهم شعبًا كاملًا، لا مجرد جغرافيا.
لذلك.. لا نحتفل في الثالث والعشرين من سبتمبر بتاريخ التوحيد وحده؛ بل نحتفل بدروس الملوك الذين جعلوا من الدولة عقيدة: وحدةٌ لا تتشقق، وسيادةٌ لا تُباع، وأمنٌ لا يُستأجر.
السعودية لم تكن يومًا مشروع ردّ فعل؛ بل مشروع دولة. وفي زمن الوكلاء؛ تبقى الدولة الحقيقية هي الانتصار الأكبر.