وللطبع الذي نعتز به جذور في حياة أهل هذه البلاد؛ في أبواب تفتح للضيف، وأيد تمتد لصاحب الحاجة، وكلمة يحفظها صاحبها، ومواقف يظهر فيها الوفاء ساعة الشدة.
حملت البيوت السعودية هذه المعاني، وتناقلتها الأجيال بالممارسة والقدوة، حتى أصبحت جزءا من ذاكرتنا الاجتماعية.
من هنا يفتح شعار هذا العام أمامنا بابا لتأمل الصلة بين أخلاق الإنسان وقوة وطنه؛ فالقيم التي تمنح الفرد احترامه تسهم أيضا في بناء الثقة بين الناس، وتعين المجتمع على التماسك والعمل.
عندما نستعيد سيرة الملك الموحد عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، نرى كيف اجتمعت الشجاعة مع الرؤية، والإرادة مع الصبر، في مسيرة توحيد هذه البلاد. فقد حمل مشروع وطن في زمن صعب، ومضى يجمع أرجاءه تحت راية واحدة، ويرسي دعائم دولته وأمنه. وكان أثر ذلك الإنجاز أعمق من جمع الأرض؛ إذ جمع تطلعات أهلها، ومنحهم مستقبلا مشتركا، وجعل ما يبذله الإنسان في موضعه جزءا من بناء يتسع للجميع.
تلك الوحدة هي الأمانة الكبرى التي وصلت إلينا. ففي ظلها نشأت أجيال آمنة، واتسعت أبواب التعليم والعمل، وتتابعت جهود التنمية التي حمل مسؤوليتها ملوك المملكة، وشارك فيها أبناء الوطن وبناته.
ما نعيشه اليوم من طمأنينة يحمل في داخله أثر ذلك التاريخ؛ خلفه إرادة قادة، وتضحيات رجال، وجهود أسر ربت أبناءها على الإخلاص. وحين نتأمل هذه الصلة، ندرك أن الوفاء للماضي يتحقق بما نصونه في الحاضر، وبما نعده للمستقبل.
في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، تواصل المملكة مسيرتها بثقة تستند إلى رسوخها، وطموح يتطلع إلى توسيع قدراتها. وتمثل رؤية المملكة 2030، بقيادة عرابها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، مشروعا لتنويع الاقتصاد وتنمية الإنسان وتعزيز مشاركة المواطنين في بناء بلادهم.
في عام 2026، بعد عقد من إطلاق الرؤية، يصبح من معاني الاحتفاء الوطني أن نتأمل مسؤوليتنا عن تحويل الفرص إلى أعمال نافعة، والطموحات إلى معرفة وإنتاج.
هنا يكتسب شعار «عزنا بطبعنا» امتداده في واقعنا المعاصر؛ فالشجاعة تظهر في تحمل المسؤولية، والإقدام على التعلم، وخوض مجالات تحتاج إلى جهد ومثابرة. والهمة تتجسد في طالب يجتهد، وباحث يثابر، وصاحب مشروع يعمل على تطوير فكرته.
أما الأصالة، فتحيا في إنسان يعرف جذوره، ويحفظ قيمه، ويتعامل مع العالم بثقة ووعي. وبهذه المعاني يتصل ما ورثناه بما نصنعه، وتصبح الهوية قوة تعيننا على التقدم.
وللكرم والجود كذلك مجالات تتسع باتساع حاجات المجتمع؛ فمنهما بذل المال، ومنهما تقديم الوقت والخبرة والمعرفة.
حين يعلم صاحب الخبرة من يأتي بعده، أو يتطوع المواطن لخدمة مجتمعه، أو يمنح القادر فرصة لمن يحتاج إليها، فإنه يجدد قيمة أصيلة في صورة يحتاجها الحاضر. فالقيم تبقى حية بقدرتنا على ممارستها، وعلى جعلها مؤثرة في حياة الناس، ومساندة لجهود الوطن في بناء إنسانه.
من أعمق وجوه العزة شعورنا بأننا أبناء وطن واحد، تتعدد مناطقه وتتآلف ملامحه في هوية سعودية جامعة. ففي لهجاتنا وفنوننا وعاداتنا وحكايات مدننا ثراء نحبه ونعتز به، وفي وحدتنا ما يمنح هذا الثراء قوته واستمراره. والمحافظة على هذه الرابطة تتطلب وعيا بقيمة الكلمة والموقف، وحرصا على الاحترام المتبادل، وتقديما للمصلحة الوطنية. فكل ما يعمق الثقة بين أبناء المجتمع يضيف إلى قوة البلاد، ويصون قدرتها على مواصلة البناء.
تبدأ رعاية هذه المعاني من الأسرة، حيث يقرأ الأبناء وطنهم في سلوك آبائهم، قبل أن يقرؤوه في الكتب. يتعلمون الأمانة ممن يؤدي حقه، والوفاء ممن يحفظ عهده، والمسؤولية ممن يحرص على عمله ومقدرات بلاده.
حين نروي لهم قصة التوحيد، ونقرب إليهم جهود البناء وتضحيات من حفظوا أمن الوطن، نمنح محبتهم للسعودية جذورا من المعرفة، ونهيئهم لفهم الدور الذي ينتظرهم في مستقبلها.
الاعتزاز بطباعنا يحملنا مسؤولية الارتقاء بها في كل موقع. فالإتقان وفاء، واحترام النظام وعي، والمحافظة على المال العام أمانة، وخدمة الناس عطاء. وفي هذه الممارسات اليومية يجد الشعار أثره الحقيقي، وتصبح الوطنية قوة تعمل في تفاصيل الحياة. وكل مواطن يخلص في مسؤوليته يضيف إلى رصيد وطنه، ويمنح من يأتي بعده مثالا يستحق أن يحتذى.
في يومنا الوطني، نجدد اعتزازنا بقيادتنا الرشيدة وشعبنا العظيم، ونستقبل «عزنا بطبعنا» بوصفه معنى نحمله إلى أعمالنا وبيوتنا وتربية أبنائنا.
تسلمنا وطنا موحدا، وراية مرفوعة، وإرثا من القيم والتضحيات؛ وحقه علينا أن نزيده بعلمنا وإخلاصنا وتكاتفنا.
فتبقى السعودية عزيزة بوحدتها، قوية بأهلها، ويجد أبناؤنا في غدهم ما يشهد على صدق محبتنا لها، وحسن حملنا لأمانتها.