في الثالث والعشرين من سبتمبر نستعيد مسيرة التوحيد التي قادها المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- وما انتهت إليه من قيام المملكة العربية السعودية دولة واحدة تحت راية واحدة. ومنذ ذلك الوقت مضت البلاد في طريق طويل من البناء، وتغيرت معها حياة الناس، واتسعت المدن، وتبدّلت تفاصيل كثيرة في المجتمع. لكن هناك أشياء بقيت.

لهذا جاء شعار اليوم الوطني هذا العام «عزنا بطبعنا» قريبًا من معنى يعرفه السعودي قبل أن يقرأه. وكلمة طبع تستحق وقفة، فهي لا تعني الموروث الذي نحرص عليه، ولا العادات التي نتمسّك بها.

الطبع أعمق من ذلك هو ما يصدر عن الإنسان من غير تكلّف، ما تشرّبه حتى صار جزءًا من طريقته في التعامل مع الناس.


وحين يقول الشعار «عزنا بطبعنا»، فهو يتحدث عن شيء رسخ في الناس وأصبح جزءًا من طريقتهم في الحياة، لا عن شيء بقي في الذاكرة وغاب عن حياتهم.

الصفات التي استندت إليها هوية المناسبة من شجاعة وأصالة وهمة وجود وكرم، لا تحتاج إلى مناسبة حتى تظهر. هي مما عرفه الناس في بيوتهم ومجالسهم، وتناقلوه بينهم بالفعل قبل القول.

فالضيف له حقه، والكبير يعرف له مقامه، والكلمة لها وزنها. ومن ينشأ في المجتمع يتعلم كثيرًا من هذه المعاني بالمشاهدة مثلما يتعلم أسبقية التقديم في المجلس، ومتى يتقدم ومتى يترك المكان لمن هو أكبر منه. وفي رأيي أن هذه التفاصيل ليست بعيدة عن الحديث عن اليوم الوطني.

فالوطن أرض ومؤسسات، وفيه أيضًا طريقة يعيش بها الناس مع بعضهم، وقيم يتعارفون عليها، وتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تصبح جزءًا من طبعهم.

الملك عبدالعزيز، رحمه الله، حين وحد أرجاء هذه البلاد، كانت مناطقها تحمل تنوعًا واسعًا في العادات واللهجات وأشكال الحياة.

بقي هذا التنوّع، لكنّه أصبح داخل وطن واحد وهوية تجمع أبناءه. وهذه من الصور الجميلة في المملكة، أن يعرف ابن كل منطقة ما يميّز ديرته، وفي الوقت نفسه يعرف أن ما يجمعه بغيره أكبر من اختلاف التفاصيل.

تغيّرت المملكة كثيرا. أشياء كانت مألوفة لم تعد موجودة، وأشياء تبدّل شكلها وهذا طبيعي في حياة المجتمعات لكن الموروث الذي بقي هو ما وجد مكانه في الحياة، لا في الذاكرة فقط.

نرى ذلك في القهوة السعودية التي ما زالت أول ما يقدم للضيف في المجالس، وفي البشت الذي بقي حاضرًا في مناسبات المجتمع، وفي المشهد الرسمي للدولة، وفي العرضة السعودية التي بقيت حاضرة في مناسباتنا الوطنية الكبرى. هذه المظاهر بقيت لأنها ما زالت تحمل معنى عند الناس.

المحافظة على الهوية لا تعني أن تبقى الحياة كما كانت. المملكة اليوم مختلفة عن المملكة قبل خمسين عاما، وستكون مختلفة عما هي عليه الآن. المهم أن يعرف المجتمع ما الذي يستحق أن يأخذه معه وهو يتغير.

وهذا ما يجعل اليوم الوطني مناسبة تتجاوز الاحتفال. فهو يعيدنا إلى البداية، إلى الوحدة التي قامت عليها الدولة، ثم يجعلنا ننظر إلى ما أصبحت عليه المملكة اليوم. وبين البداية وما نحن فيه اليوم عمل أجيال طويلة، والمسؤولية تنتقل اليوم إلى أجيال جديدة للمحافظة على ما تحقق والإضافة إليه.

في اليوم الوطني نفرح بوطننا وبما وصل إليه، ونستذكر الموحد ورجاله. وندرك في الوقت نفسه أن الاعتزاز بالوطن لا يظهر في يوم واحد، كما أن الطبع لا يتكون في مناسبة.