هذه البلاد لم تُبنَ في يومٍ وليلةٍ، ولم تصنعها الصدفة؛ فلقد توحدت المملكة العربية السعودية على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه-، ورجاله المخلصين، ثم حمل أبناء الوطن من بعدهم مسؤولية البناء جيلًا بعد جيل.
ولم تتوقف المسيرة بعد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه؛ فتعاقب على قيادة المملكة أبناؤه البررة المخلصون من بعده، وفي كل عهد كانت تُضاف لبنة جديدة إلى صرح الوطن، وتتواصل مسيرة البناء والتنمية، حتى بلغ الوطن عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-؛ عهدٍ تتسارع فيه خطوات التنمية، وتتسع فيه آفاق الطموح، وتمضي المملكة بثبات نحو مرحلة جديدة من البناء والتحول.
ومع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، ارتفع سقف الطموح، وانطلقت مشروعات وتحولات كبرى، وامتدت آفاق التنمية إلى مجالات الاقتصاد والاستثمار والتقنية والسياحة والثقافة وجودة الحياة، وأصبح المستقبل مشروعًا يُبنى اليوم بسواعد أبناء الوطن.
سال العرق على هذه الأرض قبل أن ترتفع مدنها، وتعب الآباء لينعم الأبناء. لم تكن الطرق ممهدة، ولم تكن الثروات وحدها قادرة على صناعة المجد، بل كان الإنسان السعودي هو الثروة الأولى؛ رجال حملوا الأمانة، وأجيال تعاقبت، يضع كل جيل منها لبنةً ويسلم الراية لمن بعده.
من أرضٍ كانت المسافات فيها مشقة، والتعليم محدودًا، والخدمات شحيحة، إلى وطنٍ تزدحم مدنه بالجامعات والمستشفيات والمطارات والمصانع، وتتصل طرقه الشريانية بأقصى أطرافه، وينافس أبناؤه وبناته في المحافل الدولية في مجالات العلم والطب والهندسة والتقنية والاقتصاد والفضاء.
هذه المسافة الهائلة لم تقطعها السعودية بمحض الحظ، بل اجتازتها بعرق أبنائها وطموحهم.
ولهذا؛ فإن فخرنا ليس شعورًا عابرًا، ولا كلمات تُقال في الثالث والعشرين من سبتمبر ثم تنتهي؛ إنه فخر بتاريخٍ صنعه الأجداد، وحاضرٍ يبنيه الأحفاد، ومستقبلٍ نؤمن بأن سقف طموحه أعلى مما نتخيل.
وسيظل هذا الوطن، بإذن الله، محفوظًا ومحفوفًا برعاية الخالق أولًا، ثم بتماسك أبنائه ووعيهم ووحدتهم.
وحين تلوح بين حين وآخر حملات مسيئة أو هجمات حمقاء، فإنها تبدو أصغر بكثير من أن تُقاس بتاريخ وطنٍ تجاوز ما هو أعظم منها.
قد تصنع الإساءة ضجيجًا لساعات أو أيام، لكن الأوطان لا تُقاس بالفقاعات الصوتية، بل بما يبقى راسخًا على الأرض بعد أن يصمت الضجيج.
والسعودية بقيت، وتقدمت، وبنت؛ ومن أراد أن يعرفها، فلا يبحث عنها في تغريدة غاضبة، ولا في ضجيجٍ عابر، بل في عمق تاريخها، ومنجزات حاضرها، والمسافة التي قطعتها منذ نقطة انطلاقها.
إننا لا نزعم أن وطننا بلا أخطاء؛ فالوطن الحي هو الذي يعمل، ويتغير، ويطمح إلى الأفضل. لكن الفارق يكمن في أن أبناء السعودية ينظرون إلى التحدي بوصفه وقودًا للعبور، لا جدارًا للتوقف.
ولهذا تغيرت لغة الطموح السعودي: فما يراه الآخرون صعبًا؛ نراه تحديًا، وما يراه البعض بعيدًا؛ نراه هدفًا، وما قيل عنه يومًا إنه مستحيل؛ بات في وطننا مشروعًا يُنجز على أرض الواقع.
وطن بدأ حلمًا في صدور الرجال، فأصبح حقيقةً راسخة على الأرض. ومن كان يتصور، في البدايات الأولى، أن تتبوأ هذه البلاد هذه المكانة، وأن يخرج من أحفاد تلك الأجيال، التي بدأت بإمكانات بسيطة، علماء وأطباء ومهندسون ورواد فضاء؟
تلك لم تكن معجزة حدثت في ليلة، بل ثمرة وطنٍ صنعه أبناؤه عامًا بعد عام، وحلمًا تلو حلم.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها واستقرارها وازدهارها، وحفظ قيادتها وأبناءها. ومادام في أبنائها هذا الشغف، وفي طموحهم هذا الإصرار، وفي وحدتهم هذه القوة... فالمستحيل ليس سعوديًا.