وخلال الأسابيع الأخيرة، امتد التصعيد من مأرب والجوف شمالًا إلى تعز ولحج والساحل الغربي، بالتزامن مع مواجهات وضربات في صعدة، فيما أصبحت المرتفعات القريبة من باب المندب إحدى أبرز ساحات الاشتباك. وفي المقابل، تجاوزت أعداد النازحين خلال سبتمبر 130 ألف شخص وفق أحدث إفادة أممية، بينما أظهرت بيانات الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين تسجيل 158 ألفا و109 أشخاص في 8 محافظات، مما يعكس اتساع الفجوة بين سرعة الأحداث وقدرة السكان والمؤسسات الإنسانية على الاستجابة لها.
نار الجبهات
تتركز المعارك الأشد في تعز والساحل الغربي، حيث تدور مواجهات حول مرتفعات ومواقع استراتيجية تمتد أهميتها إلى طرق الحركة والإمداد والمناطق الساحلية القريبة من باب المندب. وفي لحج، تحاول القوات اليمنية منع الحوثيين من تحقيق اختراق في كهبوب والمرتفعات المحيطة بها شمالي المضاربة وراس العارة.
وتشارك في صد الهجمات تشكيلات عسكرية يمنية وألوية ومقاتلون قبليون، فيما أعلنت قوات درع الوطن صد هجوم حوثي وإسقاط مسيرة. ولا تعني السيطرة على المرتفعات امتلاك باب المندب تلقائيا، لكنها تمنح الطرف المسيطر أفضلية في الرصد والإنذار ومراقبة الطرق والمناطق المنخفضة، وتوفر عمقًا دفاعيًا للمواقع الساحلية.
وفي الشمال، يتزامن الضغط على جبهات مأرب والجوف مع تصعيد في صعدة، بما يضيف محورًا آخر إلى خريطة المواجهة. ومع تعدد الجبهات، تصبح قدرة الأطراف على توزيع القوات والحفاظ على خطوط الإمداد عاملًا مؤثرًا في مسار العمليات، فيما يدفع أي تمدد للقتال المدنيين إلى البحث عن مناطق أكثر أمنًا.
مدن تغادر
خلف خطوط القتال، تتشكل خريطة أخرى ترسمها حركة السكان. ووفق أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة، نزح ما لا يقل عن 129 ألفًا و438 شخصًا، أي 21 ألفًا و573 أسرة، خلال الأسابيع القليلة الماضية في سبع محافظات يمنية. وكانت المنظمة قد سجلت 118 ألفًا و86 نازحًا في 18 سبتمبر، قبل أن يرتفع العدد بأكثر من 11 ألفًا خلال ثلاثة أيام.
وتتصدر تعز قائمة المحافظات المستضيفة، تليها لحج وعدن والحديدة وأبين وحضرموت ومأرب، بينما تشير البيانات الحكومية إلى تسجيل 23 ألفًا و550 أسرة، تضم 158 ألفًا و109 أشخاص، في ثماني محافظات حتى 19 سبتمبر.
وتستقبل تعز وحدها أكثر من 83 ألف نازح وفق البيانات الحكومية، فيما تستضيف لحج أكثر من 38 ألفًا، ثم عدن بأكثر من 15 ألفًا والحديدة بأكثر من 10 آلاف. وتكشف هذه الأرقام أن النزوح لم يعد حركة مؤقتة بين مناطق متقاربة، بل أصبح مسارًا واسعًا يعيد توزيع السكان على محافظات تعاني أصلًا ضغوطًا اقتصادية وإنسانية كبيرة.
الإشاعة تهجر
لكن الحوثيين لا يكتفون بالقتال على الأرض، إذ تترافق العمليات العسكرية مع حملة تضليل تستهدف الوعي العام. وتظهر هذه الحملة في مقاطع قديمة يعاد تقديمها باعتبارها مشاهد حديثة، ومواد مجتزاة، ومحتوى مولد أو معدل رقميا، إلى جانب مزاعم عن سقوط مواقع وانهيارات عسكرية لا تتطابق بالضرورة مع المعطيات الميدانية.
وفي تعز، انتشرت رسائل تتحدث عن سقوط مواقع واقتراب المعارك من مناطق سكانية، مما دفع بعض السكان إلى تقليص حركتهم في الأسواق والمرافق العامة وتخزين احتياجات منزلية تحسبًا لتدهور الوضع. وهنا تكتسب الإشاعة وظيفة تتجاوز التضليل الإعلامي، إذ يمكن أن تؤثر في سلوك السكان وتزيد منسوب الخوف وتدفع بعض الأسر إلى اتخاذ قرار الرحيل قبل وصول المعارك فعليًا إلى مناطقها.
كما استخدمت مقاطع قديمة في الترويج لمزاعم عسكرية، بينها ادعاءات بشأن إسقاط مقاتلة سعودية من طراز F-15 في مأرب، قبل أن تظهر عمليات تحقق تشير إلى أن اللقطات المتداولة لا تعود إلى الواقعة المزعومة، وأن أجزاء منها مرتبطة بحوادث سابقة.
حرب الرواية
تتحرك الدعاية الحوثية على أكثر من مستوى، فهي تستهدف رفع معنويات أنصار الجماعة، وإرباك القوات والسكان، والتأثير في المتابعين خارج اليمن. وفي مأرب، تأخذ بعض الإشاعات طابعًا أكثر تنظيمًا، من خلال الحديث عن تسليم مواقع عسكرية أو انسحابات أو خلافات داخل القوات اليمنية، وهي روايات يصعب على المتلقي العادي التحقق منها في وقت تكون فيه الاتصالات والمعلومات الميدانية محدودة.
وتكمن خطورة هذا النوع من التضليل في عامل السرعة، فالمعلومة الكاذبة تصل إلى الجمهور قبل المعلومة الموثقة، وقد تتسبب في تغيير السلوك قبل أن تظهر الحقيقة. ومع استمرار القتال، يصبح تصحيح الإشاعة أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تكون مرتبطة بالخوف على الأسرة والطريق ومكان السكن.
ولا تنفصل حرب الإشاعات عن أزمة النزوح، فكلما ارتفع منسوب القلق حول مصير منطقة أو طريق، زادت احتمالات تحرك الأسر احترازيًا، حتى قبل اتضاح الصورة الميدانية. وبذلك يصبح الخوف نفسه جزءًا من ساحة المواجهة.
البحر ملاذ
وصلت تداعيات التصعيد إلى ما وراء الحدود اليمنية، مع عبور آلاف الأشخاص البحر الأحمر باتجاه جيبوتي. وأفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بوصول نحو 3 آلاف شخص إلى جيبوتي خلال أقل من أسبوع، بعد رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر، مشيرة إلى أن أكثر من نصف الواصلين من النساء والأطفال.
وتواجه بلدة أوبوك ضغوطًا متزايدة بسبب محدودية قدرتها على استقبال الأعداد الجديدة وتوفير المأوى والخدمات الأساسية، فيما حذرت السلطات المحلية من احتمال ارتفاع أعداد القادمين خلال الأسابيع المقبلة.
وفي الداخل، تتضاعف احتياجات الأسر التي غادرت منازلها فجأة، من المأوى والغذاء والمياه إلى الرعاية الصحية ومستلزمات النظافة، بينما تواجه المنظمات الإنسانية نقصًا في التمويل وصعوبات في الوصول إلى بعض المناطق.