فقد بَدَت عليه ملامح القيادة منذ نعومة أظفاره؛ فكان قائدًا بين أقرانه لا يرضى بالتبعية، وكان ينادي أترابه بـ«من يلعب معي؟» ولم يقل يومًا «مع من ألعب؟». كما تميّز بلسانٍ فصيح وبلاغةٍ تأخذ بألباب الكبار إذا جلس في مجالسهم، حتى فرَسَ فيه أصحاب الفراسة من شيوخ العرب ودُهاتها بأنه سيكون ذا شأنٍ عظيم في المستقبل.
وعندما امتزج الذكاء بالفطنة، تجلّى الملك عبدالعزيز مفاوضًا بارعًا؛ كما حدث في مفاوضاته مع ابن رشيد عقب معركة «حريملاء» ليخرج منها بأفضل النتائج الممكنة. ثم دَفَعَتْهُ شجاعته العالية لقطع الصحارى والقفار مع عائلته متوجهًا إلى قطر ثم البحرين، قبل أن يستقر في الكويت لعشر سنواتٍ مرّت عليه كالدهر، لكنه لم يستسلم للواقع؛ بل كان يخطط ويرسم طريق العودة، مدفوعًا بإصرار أخته الأميرة «نورة» التي كانت تُلهب حماسه وتدفعه لاستعادة الرياض، رغم رفض والده خوفًا عليه، محاولًا مرارًا توسيط حكام الكويت وشيوخ القبائل لإقناع والده بالإذن له.
ورغم أن محاولته الأولى عام 1318هـ -والتي حظيت بدعم حاكم الكويت الشيخ مبارك الصباح- لم تُكلَّل بالنصر، إلا أن عزيمته لم تفتر؛ فعاد بعد عامٍ واحد فقط برفقة ثلّة من رجاله الأوفياء، ليقتحم قصر «المصمك» الذي كان يسيطر عليه عجلان (عامل ابن رشيد على الرياض بالدعم التركي)، ليرتفع الصوت خالدًا: «الملك لله، ثم لعبدالعزيز». وهنا تتجلى حقيقةٌ راسخة؛ وهي أن العلاقة بين الشعب وقيادته في هذه البلاد عصيةٌ على التغير مهما عصفت الظروف.
ما يجب أن نغرسه في أذهان النشء، أن الملك عبدالعزيز لم يُوحِّد هذه البلاد -التي تمتد على مساحة تتجاوز مليوني كيلومتر مربع- بين عشية وضحاها؛ بل قَضَى 32 عامًا امتطى فيها صبوة الخيل وجاب الصحارى شاهِرًا سيفه في مقدمة الصفوف. أتبعها بـ22 عامًا أخرى في ترسيخ أركان دولةٍ قائمةٍ على العدل والمساواة، والتسامح حتى مع الخصوم والذين رفعوا السلاح في وجهه؛ فكان يعفو عنهم ويُحسن إليهم ويعدّهم من أبنائه، بل ويحفظ كرامتهم ومكانتهم بين قبائلهم. ولم يُؤثر عنه قط أنه بادل السيئة بمثلها مع قدرته على ذلك، بل كان يقول: «إنني لا أفرّق بين من كان معي ومن كان عليّ في الماضي؛ فكلكم اليوم أبناء هذه البلاد، ورعيتي الذين أسأل الله أن يعينني على عدلهم ورعايتهم».
ومن صفاته الصبر والتأني والتريث وترك مساحة للمعتدي ليعود لرشده ويراجع حساباته فإذا تمادى وأصر على تجاوزاته فإن ضربته تكون أليمة وحاسمة وقاضية، كما يقول رحمه الله «إنني ألتزم الصبر ضربةً تلو الضرب حتى يظنّ الخصم أني ضعيف، ثم أُوجّه ضربتي فتكون هي القاضية».
ومن دهاء الملك عبدالعزيز وحسن تدبيره، أنه لم يستعجل ضم الحجاز حتى استكمل توحيد الأقاليم وإضعاف الخصوم في الشرق والشمال والجنوب، فأكرمه الله بدخول مكة المكرمة مُحْرِمًا بغير قتال.