اليوم الوطني السعودي كان مناسبة نستعيد فيها قصة وطن وحّد أطرافه الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه -وأرسى دعائم دولة جعلت من الوحدة أساسًا، ومن الإنسان محورًا للتنمية، حتى أصبحت اليوم عنوانًا للتحول والطموح في ظل رؤية السعودية 2030.
في هذه المسيرة، كان الإعلام شاهدًا على الإنجازات وناقلًا لصورة الوطن. لكنه اليوم تجاوز دور نقل الحدث، ليصبح قطاعًا اقتصاديًا تتداخل فيه صناعة المحتوى والإعلان والتقنية والابتكار.
أعاد التحول الرقمي تشكيل اقتصاد الإعلام؛ فلم تعد قيمة المحتوى مرتبطة بإنتاج الخبر أو التقرير وحده، بل بقدرته على الوصول إلى الجمهور، وجذب انتباهه، وتحويل هذا الحضور إلى فرص اقتصادية عبر الإعلان والرعاية والاشتراكات والملكية الفكرية.
تشير البيانات الرقمية إلى وجود 34.4 مليون مستخدم للإنترنت في المملكة بنهاية 2025، بنسبة انتشار تقارب 99% من السكان، فيما بلغت هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي نحو 38.6 مليون هوية في أكتوبر 2025. وتعكس هذه الأرقام اتساع السوق الرقمية وتنامي فرص الاستثمار في المحتوى والخدمات الإعلامية.
بحسب البيانات المنشورة عن القطاع، بلغت مساهمة الإعلام في الناتج المحلي نحو 16 مليار ريال في 2024، بما يعادل 0.57%، مقارنة بـ0.52% في 2023، مع استهداف رفع المساهمة إلى 0.8% بحلول 2030.
كما بلغ عدد الوظائف في القطاع نحو 67 ألف وظيفة بنهاية 2024، بزيادة 22%، مع استهداف الوصول إلى 160 ألف وظيفة بحلول 2030.
وتكشف هذه المؤشرات نمو صناعة تتجاوز الصحافة والإذاعة والتلفزيون، لتشمل التسويق الرقمي، وتحليل البيانات، وإنتاج المحتوى، وتطوير المنصات، والذكاء الاصطناعي.
في اليوم الوطني، يتزايد الطلب على المحتوى الوطني، وتطلق المؤسسات حملاتها، وتنتج الشركات إعلاناتها، وتتحرك وكالات الإنتاج والتصميم والإعلان والفعاليات.
لكن الفرصة الأوسع تكمن في تحويل المحتوى الوطني من إنتاج موسمي إلى أصول قابلة للاستثمار؛ فالفيلم الوثائقي يمكن إعادة توزيعه، والصورة يمكن توظيفها في منتجات بصرية، والقصة يمكن تطويرها إلى سلسلة، والحقوق الفكرية يمكن أن تولّد قيمة مستدامة.
وهنا يصبح الإعلام شريكًا في الاقتصاد، لا مجرد مرآة تعكس تحولاته.
تتجاوز قيمة الإعلام إيراداته المباشرة؛ فالسياحة تحتاج إلى سرد، والثقافة تحتاج إلى توزيع، والرياضة تحتاج إلى محتوى، والاستثمار يحتاج إلى سمعة.
وعندما تُروى قصة المملكة باحتراف، وتُدعم بمحتوى موثوق وإنتاج متقدم، تتحول الصورة الوطنية إلى رأس مال إستراتيجي يعزز الجاذبية السياحية والاستثمارية والثقافية.
ويبقى التحدي في تحويل الانتشار إلى إيرادات واستثمارات ووظائف وحقوق ملكية فكرية، وتعزيز قدرة الصناعة المحلية على إنتاج المحتوى وامتلاك حقوقه وتصديره إلى العالم.
في اليوم الوطني، لم نحتف فقط بما تحقق، بل كنا نستشرف ما يمكن أن نصنعه. فالقصة الوطنية التي تُروى باحتراف تصبح محتوى، والمحتوى الذي يتحول إلى صناعة يصبح قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
وطنٌ يصنع المستقبل، وإعلامٌ يحوّل قصة الوطن إلى قيمة تعبر إلى العالم.