الرياض مدينة اتسعت أطرافها بسرعة أكبر من اتساع طرقها، وتضاعف عدد سكانها وسياراتها، حتى كثُر الناس وكثُرت المركبات ، فصار الطريق الذي يُفترض أن يكون وسيلة للوصول، عقبة تستهلك الوقت والجهد والأعصاب معًا.
الساعات التي يقضيها الإنسان يوميًا خلف المقود قد تكون ساعاتٍ ضائعة، لكن البعض يحاول استثمارها بالاستماع إلى محاضرة أو كتاب صوتي أو نشرة أخبار، وهذا من أفضل ما يمكن فعله في ذلك الوقت. بينما يقضيها آخرون في مكالمات عمل أو تواصل مع الأسرة والأصدقاء، محاولين أن يحوّلوا الطريق إلى وسيلة لإنجاز مهامهم اليومية.
لكن الشريحة الأكبر -وهذا ما يستحق التوقف عنده- تقضي هذا الوقت في حالة من الترقب المتوتر؛ عينٌ على الطريق، وعينٌ على الساعة، وكأنها لا تكفّ عن توكُّف الفرج وترقُّب انفراج الطريق أمامها. وثمة فئة لجأت إلى الهاتف هروبًا من حالة التوتر، فصارت تنتقل بين التطبيقات ومنصات التواصل، رغم ما في ذلك من خطورة على السلامة وتشتيت للانتباه.
لهذا الزحام كلفة خفية لا تظهر في عدّاد الوقود، ولا في ساعة اليد، ولا في هاتف الإنسان، بل تظهر في الجسد والنفس معًا.
فعلى المستوى النفسي يرتبط الجلوس الطويل في الزحام -خصوصًا في أوقاتٍ بعينها كصباح كل يوم- بارتفاع مستويات التوتر والانفعال، فالإنسان يدخل يومه وهو مُستنزَف قبل أن يبدأ، ويعود إلى بيته وهو منهك، وهذا التوتر اليومي ليس حدثًا عابرًا بل نمط متكرر يتراكم أثره مع الزمن، فيظهر في سرعة الانفعال وقلة الصبر، بل يمتد أثره أحيانًا إلى العلاقات الأسرية التي تستقبل إنسانًا وصل إليها وهو مثقل بما تراكم في الطريق.
أما على المستوى البدني، فالجلوس الطويل دون حركة يؤثر في الدورة الدموية والعمود الفقري، وضغط الوقت يدفع كثيرين إلى التساهل في وجبات صحية أو أوقات نوم كافية، تعويضًا عن الساعات المهدورة في الطريق.
وللتعامل مع هذا الزحام مستويان: مستوى فردي يملك الإنسان فيه زمام أمره، ومستوى عام يحتاج تخطيطًا وقرارات.
أما على المستوى الفردي، فمن المفيد إعادة النظر في توقيت الخروج ولو بتقديمه أو تأخيره قليلًا لتفادي ذروة الازدحام، واستثمار وقت الطريق بما ينفع - كالمحاضرات والكتب الصوتية كما يفعل البعض- بدل الغرق في الهاتف بلا هدف، وتنظيم المهام اليومية بحيث تُجمع الأعمال الخارجية في رحلة واحدة بدل الخروج المتكرر من المنزل. ومن المهم أيضًا أن يتقبّل الإنسان الزحام كجزء من واقع يعيشه، بدل أن يخوض معه صراعًا يوميًا مستنزفًا للأعصاب لا طائل منه.
أما على المستوى العام، فقد اقترح عددٌ من المختصين في التنظيم والتطوير حلولًا لتخفيف أزمة الزحام، مثل تفعيل العمل عن بُعد جزئيًا، ومرونة أوقات الدوام بما يفرّق ساعات الذروة، والاعتماد على وسائل النقل العام كالمترو الذي تشهده الرياض حاليًا؛ وكلها عوامل يمكن أن تخفف من الأزمة لا أن تُنهيها.
ومن اللافت أن نعتبر الزحام -على ثقله اليومي- علامة عافية اقتصادية لا أزمة فحسب!! فالمدينة التي تزدحم شوارعها هي غالبًا مدينة تنمو، سكانها يتزايدون، واستثماراتها تتوسع، وحركتها التجارية نشطة.
ويضاف إلى معاناة الطريق جزء غير يسير مردّه إلى سلوك السائقين أنفسهم لا الزحام وحده؛ فالتجاوزات على المسارات، والاستعجال الذي يدفع بعضهم إلى تفاوت السرعات، والانشغال بغير الطريق أثناء القيادة، كلها سلوكيات تحوّل زحامًا عاديًا إلى فوضى تُرهق الجميع وتُزعجهم، وتزيد من احتمالات الحوادث التي تُضاعف الزحام نفسه.
هذه الظاهرة تستحق وقفة مستقلة، إذ إن جزءًا من الحل لا يحتاج مشروعًا ولا ميزانية، بل تغييرًا في ثقافة القيادة والصبر على الطريق، وإدراكًا بأن استعجال الفرد غالبًا ما يكون سببًا في تأخير الجميع لا تعجيل صاحبه وحده.
ومن الآثار السلبية لزحام الرياض على المجتمع مما يصيب الإنتاج الوطني؛ فساعات العمل التي تُهدر في الطريق، وتأخر الموظفين عن مواعيدهم، يؤثران في أدائهم وإنتاجهم، وتتكرر هذه الخسائر الصغيرة يوميًا عبر آلاف الموظفين والمنشآت، فتتحول إلى رقم اقتصادي ليس بالهيّن، وإن كان لا يظهر في ميزانية أحدٍ بعينه. وهذا وحده كافٍ ليكون الزحام قضية تُعالَج بمنطق الجدوى الاقتصادية لا الراحة الشخصية فقط.
وبالنسبة لأثر هذا الزحام في الأسرة، فالأب الذي يقضي ساعة أو أكثر ذهابًا وإيابًا يوميًا يخصم هذا الوقت من رصيدٍ محدود أصلًا يقضيه مع أبنائه، فيصل إلى بيته متأخرًا ومنهكًا في وقتٍ يُفترض أن يكون وقت حضور واهتمام، وكذلك مواعيد الطعام وساعات المذاكرة للأبناء ومتابعتهم، بل حتى لحظات الحديث البسيط، كلها تتأثر بتأخره في الطريق.