باحث متخصص في تاريخ المملكة العربية السعودية والدراسات الاستشراقية
[email protected]
حين نعود إلى الصحف السعودية الأولى، لا نعود إلى أوراق قديمة تنقل أخبارًا انقضى زمنها، بل إلى سجل كُتبت فيه الدولة وهي تتشكل. ففي صفحات تلك الصحف نرى أسماء البلاد وألقاب الملك عبدالعزيز تتطور مع مراحل التوحيد، والأنظمة تحل تدريجيًا محل التعليمات المؤقتة، والدوائر الحكومية تظهر واحدة بعد أخرى، والمدن والمناطق تدخل في مجال سياسي وإداري واحد. وتكشف الأخبار والإعلانات والبلاغات، إلى جانب المقالات والقصائد والمناقشات الأدبية، كيف انتقلت البلاد من توحيد الأرض إلى تنظيم الدولة، ومن تداول الخبر شفهيًا أو عبر المراسلات المحدودة إلى نشره في صحيفة تصل إلى المسؤول والتاجر والمعلم والقاضي والقارئ، وتحفظه في نص مكتوب يستطيع الناس الرجوع إليه.
لا تبدأ أهمية الصحافة السعودية من عدد الصحف أو اتساع توزيعها في تلك المرحلة، بل من الوظيفة التي أدتها في بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. كانت الدولة الناشئة تحتاج إلى وسيلة تعلن بها قراراتها، وتنشر أنظمتها، وتشرح مواقفها، وترد على الأخبار التي تكتب عنها خارج البلاد، وتربط بين مناطق تفصل بينها مسافات واسعة وتختلف فيها سرعة وصول المعلومات. وكان المجتمع الذي يعيش تحولات سياسية وإدارية متسارعة يحتاج إلى معرفة ما يحدث في مدنه ومناطقه وفي العالم المحيط به. ومن هنا أصبحت الصحيفة جزءًا من بنية الدولة الجديدة، لا مجرد شاهد عليها، وصارت الكلمة المطبوعة وسيلة من وسائل توحيد المجال العام إلى جانب توحيد الأرض والسلطة.
ويقدم أرشيفا «أم القرى» و«صوت الحجاز» مادة أساسية لإعادة بناء السردية السعودية؛ لأنهما يسمحان لنا بقراءة المرحلة من داخل زمنها، لا من خلال ما كتبه المؤرخون عنها بعد عقود. حفظت «أم القرى» صوت الدولة وقراراتها وهي تبني مؤسساتها، بينما وسعت «صوت الحجاز» المجال أمام الأدباء والمثقفين لمناقشة التعليم والإصلاح والأدب والحياة العامة. وبين الصحيفتين تظهر المملكة لا بوصفها قرارًا صدر في يوم واحد، بل بوصفها دولة ومجتمعًا ولغة وطنية كانت جميعها تتكون وتتطور على صفحات الصحافة.
الصحيفة التي سبقت اسم الدولة
صدر العدد الأول من جريدة «أم القرى» في مكة المكرمة يوم الجمعة 15 جمادى الأولى 1343هـ، الموافق 12 ديسمبر 1924. وكانت البلاد آنذاك لا تزال بعيدة بنحو ثماني سنوات عن اعتماد اسم «المملكة العربية السعودية». وهذا التوقيت يمنح الجريدة قيمة تتجاوز تاريخ الإعلام؛ فقد بدأت الدولة إنشاء سجلها المكتوب قبل أن تستكمل توحيد مناطقها وقبل أن تتخذ اسمها النهائي. أسس الملك عبدالعزيز صحيفة تنطق بأخبار مشروعه السياسي في الوقت الذي كان فيه ذلك المشروع يتحرك فوق الأرض، ويواجه تحديات تثبيت الحكم وتنظيم الإدارة وإعادة الأمن إلى الطرق والمدن وربط المناطق التي دخلت تحت سلطته. ولذلك يمكن القول إن «أم القرى» لم تولد بعد اكتمال الدولة، بل ولدت معها ورافقت انتقالها من مشروع توحيد إلى كيان سياسي ذي مؤسسات وأنظمة واسم واحد. وتؤكد الجريدة الرسمية أن عددها الأول صدر في ذلك التاريخ، وأن الملك عبدالعزيز هو مؤسسها، وأنها اتخذت مكة المكرمة مقرًا لها واستمرت بعد ذلك بوصفها الجريدة الرسمية للدولة.
جاء العدد الأول في أربع صفحات، وحدد في صفحته الأولى أن الجريدة تصدر مرة واحدة في الأسبوع يوم الجمعة، وأن المراسلات توجه إلى إدارتها تحت عنوانها البرقي «أم القرى». وتضمنت صفحاته افتتاحية تشرح الغاية من إصدارها، وخبر وصول الملك عبدالعزيز إلى مكة، إلى جانب الأخبار والمواد الدينية والسياسية. ولم تقدم الافتتاحية الصحيفة بوصفها مشروعًا تجاريًا أو منبرًا للأخبار المثيرة، بل بوصفها واسطةً تعرف العالم الإسلامي بما يجري في البلاد، وتنشر ما يساعد الناس على معرفة ما يصلح شؤونهم. كانت هذه اللغة إعلانًا مبكرًا عن حاجة الدولة إلى امتلاك وسيلتها في مخاطبة الداخل والخارج، بدل أن تترك أخبارها ومواقفها لما تكتبه عنها صحف الدول المجاورة أو المراسلون والبعثات الأجنبية. وتتيح النسخة المصورة من العدد الأول رؤية الصحيفة كما ظهرت في زمنها، بأعمدتها القليلة وطريقة ترتيب موادها ولغتها التي جمعت بين الخطاب الديني والخبر السياسي والتعريف بمشروع الحكم الجديد.
لم يكن اختيار مكة مقرًا للجريدة ولا اختيار اسم «أم القرى» أمرين منفصلين عن المرحلة السياسية. كانت مكة مركزًا دينيًا تتجه إليه أنظار المسلمين، ومكانًا تلتقي فيه أخبار الحجاج والعلماء والتجار والقناصل والقادمين من بلدان متعددة. ومن مكة استطاعت الدولة أن تخاطب جمهورًا يتجاوز حدودها السياسية، وأن تقدم روايتها عن الأحداث والتحولات التي كانت تشهدها البلاد. كما أن ظهور الجريدة بعد دخول الحجاز تحت حكم الملك عبدالعزيز أتاح للدولة الاستفادة من المطابع والخبرات الصحفية الموجودة هناك، وربط المشروع السياسي القادم من نجد بمركز إسلامي يمتلك شبكة واسعة من العلاقات مع العالم العربي والإسلامي.
وتشير الكتابات التي تتبعت إرهاصات تأسيس «أم القرى» إلى أن الملك عبدالعزيز كان يفكر قبل دخوله الحجاز في إصدار صحيفة تحمل أخبار دولته، وأن مشروعًا أوليًا لإنشاء صحيفة في نجد كان مطروحًا قبل أن تسمح التطورات السياسية بصدورها من مكة باسم «أم القرى». ولذلك لم تكن الجريدة نتيجة عارضة لتوافر مطبعة في مكة، بل استجابة لحاجة أدركها المؤسس مبكرًا: الدولة التي تتسع جغرافيًا وتدخل في علاقات مع قوى إقليمية ودولية تحتاج إلى صوت موثوق يوحد خبرها ويشرح سياستها. غير أن هذه المعلومة ينبغي أن تبقى مجالًا لمزيد من البحث في المراسلات الأصلية المتعلقة بالمشروع الأول للصحيفة، حتى نستطيع تحديد الأشخاص الذين شاركوا في اقتراحها والتحضير لها، والخيارات التي كانت مطروحة بشأن اسمها ومكان صدورها.
مع مرور الوقت أصبحت «أم القرى» المكان الذي تظهر فيه الدولة أمام سكانها بصورتها النظامية. نشرت الأوامر والبلاغات والمعاهدات، ثم أخبار تشكيل الدوائر الحكومية والتنظيمات المتعلقة بالحج والقضاء والمالية والأوقاف والتجارة. ومن يقرأ أعدادها المتتابعة لا يرى أخبارًا متفرقة فقط، بل يرى أجهزة الدولة تظهر تدريجيًا، واختصاصاتها تتحدد، ولغتها الإدارية تستقر. كانت الصحيفة تنقل القرار من مجلس الحاكم ومكاتبات المسؤولين إلى المجال العام، فيصبح النص المنشور معلومًا ومحفوظًا وقابلًا للرجوع إليه. وبهذا المعنى لم تكن الجريدة تسجل بناء المؤسسات من الخارج، بل شاركت فيه؛ لأن النظام لا يكتمل بمجرد صدوره، بل يحتاج أيضًا إلى وسيلة تنشره وتحدد صيغته الرسمية وتجعله جزءًا من العلاقة بين الدولة والمجتمع.
من صوت الدولة إلى المجال الوطني
لم تكن المسافة بين مناطق البلاد في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته تقاس بالكيلومترات وحدها. كانت هناك مسافات في سرعة وصول الأخبار، واختلاف الترتيبات الإدارية، وتباين الصلات بين المدن والمناطق، وضعف وسائل النقل والاتصال مقارنة بما عرفته البلاد لاحقًا. وكان جمع هذه الجغرافيا تحت سلطة واحدة يحتاج إلى أكثر من القوة السياسية والعسكرية؛ فقد احتاج إلى لغة مشتركة تخبر الناس بأن قرارًا واحدًا أصبح يسري على أرض واسعة، وأن ما يحدث في مكة أو الرياض أو الأحساء أو المدينة لم يعد شأنًا محليًا معزولًا، بل جزءًا من حياة دولة واحدة.
أدت «أم القرى» دورًا مهمًا في صناعة هذه اللغة. فحين نشرت خبر جولة للملك عبدالعزيز، أو قرارًا يتعلق بالحج، أو تنظيمًا ماليًا، أو تعيينًا إداريًا، فإنها لم تنقل الحدث وحده، بل أعادت تعريف علاقة السكان بالدولة. أصبح القارئ يتلقى أخبار البلاد من مصدر يحمل سلطة الحكم ويتحدث باسمه، ويرى المناطق المختلفة مجتمعة داخل صفحات صحيفة واحدة. وساعد ذلك على تحويل التوحيد من حدث سياسي يقع في القمة إلى معرفة يومية تصل إلى المجتمع، وعلى نقل الدولة من حضور يرتبط بشخص الحاكم وممثليه المحليين إلى حضور مؤسسي يظهر في النظام المكتوب والقرار المنشور والإعلان الرسمي.
ولا يعني ذلك أن «أم القرى» كانت نشرة رسمية جامدة منذ يومها الأول. فقد ضمت في مراحلها الأولى افتتاحيات ومقالات وقصائد وأخبارًا محلية ودولية، ثم اتسعت عنايتها بالأدب والثقافة. وكانت الصفحة الأولى تجمع أحيانًا بين الافتتاحية والبلاغ الرسمي، في انعكاس لطبيعة مرحلة لم تكن فيها الحدود فاصلة تمامًا بين الصحافة الحكومية والصحافة الثقافية. غير أن وظيفتها الرسمية ازدادت وضوحًا مع نمو الدولة، فتحولت إلى مستودع للأوامر والأنظمة والميزانيات والاتفاقيات وأخبار المؤسسات. وقد تغير شكلها وإخراجها ومادتها عبر السنين، لكن وظيفتها الأساسية بقيت ثابتة: أن تكون السجل المنشور للدولة السعودية.
وفي 27 ذي القعدة 1350هـ، الموافق 4 أبريل 1932، أي قبل إعلان المملكة العربية السعودية بأشهر، صدر في مكة العدد الأول من «صوت الحجاز». وكتبت تحت اسمها عبارة «جريدة وطنية جامعة»، وظهر اسم محمد صالح نصيف بوصفه صاحب الجريدة ومديرها، واسم عبدالوهاب إبراهيم آشي بوصفه رئيس تحريرها المسؤول. وكانت تصدر مرة في الأسبوع، وجاء عددها الأول في ثماني صفحات من القطع الصغير. وهذه التفاصيل لا تقتصر أهميتها على التأريخ لصحيفة جديدة، بل تكشف اتساع الحياة العامة في البلاد قبيل إعلان المملكة؛ فإلى جانب الجريدة الرسمية ظهر منبر أهلي يفسح مساحة أكبر للأدب والنقد والتعليم وقضايا المجتمع.
تكمن أهمية «صوت الحجاز» في أنها تساعدنا على الانتقال من قراءة ما كانت الدولة تقرره إلى قراءة ما كان المجتمع يفكر فيه. فمن خلال كتّابها ومقالاتها ومساجلاتها نقترب من الجيل الذي عاصر نهاية مرحلة سياسية وبداية أخرى، وواجه أسئلة التعليم واللغة والأدب والهوية والإصلاح والتحديث. ولم يكن وصفها بأنها «وطنية جامعة» مجرد عبارة تعريفية وضعت تحت عنوانها، بل اختيارًا يحمل دلالة سياسية وثقافية؛ فقد ظهرت الصحيفة في عام إعلان المملكة، حين كانت البلاد تنتقل من تعدد الأسماء الإقليمية إلى اسم وطني واحد، وكان المجتمع يحتاج بدوره إلى مجال يتجاوز الانتماءات المحلية ويجمع الكتّاب والقراء حول قضايا مشتركة.
ولا ينبغي وضع الصحيفتين في علاقة تعارض بين صوت رسمي وصوت مستقل؛ فكل منهما حفظ جانبًا مختلفًا من المرحلة. في «أم القرى» نقرأ النظام والأمر الملكي والبلاغ وخطاب الدولة، وفي «صوت الحجاز» نقرأ المقالة والنقاش الأدبي والاجتماعي وتطلعات الجيل الجديد. والجمع بينهما يسمح بإعادة بناء صورة أكثر اكتمالًا: ماذا أرادت الدولة أن تنجز؟ وكيف تلقى المجتمع التحولات التي رافقت قيامها؟ وما الأسئلة التي شغلت المتعلمين والمثقفين في سنوات التأسيس؟ وإذا كانت «أم القرى» قد ساعدت الدولة على تنظيم خطابها، فإن «صوت الحجاز» أسهمت في تكوين جمهور يقرأ ويناقش ويكتب، وفي فتح مساحة بدأت داخلها المقالة السعودية الحديثة والحركة الأدبية التي ستتسع في العقود اللاحقة.
العدد الذي أعلن المملكة
بلغت العلاقة بين الصحافة وبناء الدولة واحدة من أكثر لحظاتها وضوحًا في سبتمبر 1932. فقد صدر الأمر الملكي رقم 2716 في 17 جمادى الأولى 1351هـ، ونصت مادته الأولى على تحويل اسم «المملكة الحجازية النجدية وملحقاتها» إلى «المملكة العربية السعودية»، وعلى أن يصبح لقب الملك عبدالعزيز بعد ذلك «ملك المملكة العربية السعودية». وقد نُشر الأمر في العدد 406 من «أم القرى»، الصادر يوم الجمعة 22 جمادى الأولى 1351هـ، الموافق 23 سبتمبر 1932. وهذه الصياغة مهمة؛ لأن الوثيقة ليست «معاهدة» ولا «مرسومًا» بالمعنى الاصطلاحي المستخدم لاحقًا، بل أمر ملكي يحمل رقمًا وتاريخًا محددين، ونشرته الجريدة الرسمية ضمن العدد الذي أصبح واحدًا من أهم أعدادها التاريخية. ويؤكد الموقع الرسمي للجريدة رقم الأمر وتاريخه والاسم السابق للدولة والنص الذي اعتمد الاسم الجديد.
لم تكن «أم القرى» في ذلك العدد تنقل خبرًا وقع خارج صفحاتها، بل كانت الأداة التي وصل من خلالها النص المؤسس إلى الناس وإلى ممثلي الدول والجهات التي تتابع أخبار البلاد. ولم يكن تغيير الاسم تعديلًا لفظيًا؛ فالاسم السابق كان يعكس المراحل التي مر بها مشروع التوحيد، ويجمع الحجاز ونجد وملحقاتهما تحت تاج واحد مع إبقاء الأسماء الإقليمية ظاهرة في عنوان الدولة. أما الاسم الجديد فعبّر عن انتقال سياسي وقانوني إلى وحدة واحدة، وجعل «السعودية» اسمًا للدولة كلها لا وصفًا لسلطة تحكم أقاليم متعددة. وهكذا أصبح العدد 406 وثيقة لا تسجل نهاية مسار التوحيد فقط، بل تثبت اللحظة التي أعادت فيها الدولة تعريف نفسها أمام مجتمعها والعالم.
وتكشف الصفحة الثانية من العدد نفسه جانبًا آخر لا يقل أهمية؛ فقد نشرت «أم القرى» التماسات وبرقيات رفعها علماء وأعيان وممثلون عن مناطق وقبائل يطلبون فيها تعديل اسم البلاد إلى «المملكة العربية السعودية»، ويتحدثون عن الحاجة إلى اسم يعبر عن الوحدة السياسية والشعبية. وتظهر في الصفحة أسماء عدد كبير من الموقعين، ومن بينهم شخصيات من مكة ومدن الحجاز وممثلون عن جماعات وقبائل مختلفة. وهذه المادة توسع فهمنا للحدث؛ فالصحيفة لم تنشر نص الأمر الملكي وحده، بل حفظت أيضًا جانبًا من الخطاب الاجتماعي والسياسي الذي أحاط به، واللغة التي استخدمها المؤيدون لشرح معنى الوحدة والحاجة إلى اسم يعبر عنها.
هنا يتضح الفرق بين الحدث وذاكرته. وقع التوحيد بفعل مسار طويل من السياسة والحرب والمفاوضات وبناء التحالفات وتثبيت الأمن، لكن الصحيفة حفظت النص الذي أعلن نتيجته النهائية، وحفظت إلى جانبه بعض الالتماسات والبرقيات التي سبقت الإعلان. ولو اكتفينا بالرواية اللاحقة لعرفنا أن المملكة أُعلنت في 23 سبتمبر 1932، لكن العودة إلى العدد الأصلي تجعلنا نرى كيف ظهر القرار للناس في زمنه، وما اللغة التي استخدمتها الدولة والمجتمع في تفسير الانتقال من الاسم القديم إلى الاسم الجديد، ومن هم الأشخاص الذين ظهرت أسماؤهم إلى جانب ذلك التحول.
وتفتح أعداد «أم القرى» السابقة واللاحقة للعدد 406 بابًا لدراسة التحول نفسه. يمكن تتبع ألقاب الملك عبدالعزيز، وأسماء البلاد، وصياغة الأوامر، وظهور المؤسسات، وطريقة الحديث عن المناطق والسكان. فالدولة لا تظهر فجأة مكتملة في وثيقة واحدة؛ إنها تتكون من تراكم المصطلحات والقواعد والإجراءات. وما يبدو خبرًا إداريًا صغيرًا في عدد أسبوعي قد يكون شاهدًا على انتقال وظيفة من سلطة محلية إلى مؤسسة مركزية، أو على دخول نشاط اقتصادي أو اجتماعي جديد في نطاق التنظيم الحكومي. وتتيح الإعلانات قراءة طبقة أخرى من التاريخ؛ فأسماء التجار، وحركة السفن، ووصول السلع، ومواعيد السفر، وإعلانات المدارس والمطابع والوظائف، تكشف الحياة التي كانت تنمو حول مؤسسات الدولة.
أما «صوت الحجاز» فتمنحنا مادة موازية لفهم كيفية استقبال تلك التحولات. فقد عاشت الصحيفة سنوات التأسيس الأولى، وشهدت النقاشات التي رافقت نمو التعليم والأدب والحياة الثقافية، وكشفت أسماء كتّاب أسهموا في تكوين المقالة والأدب السعودي الحديث. ومن خلال المقارنة بين الصحيفتين نستطيع أن نرى الفرق بين لغة الدولة وهي تصدر القرار، ولغة المجتمع وهو يناقش نتائج التحول. ولا تعني هذه المقارنة البحث عن صراع بين الطرفين، بل استعادة تعدد الأصوات داخل مرحلة التأسيس، وإثبات أن المجتمع لم يكن متلقيًا صامتًا لعملية البناء، بل كان يكتب ويقترح ويناقش ويبحث عن موقعه في الدولة الجديدة.
الصحافة في خارطة السردية السعودية
تعاني كتابة التاريخ أحيانًا من هيمنة الأحداث الكبرى: معركة، أو معاهدة، أو إعلان، أو وفاة حاكم وتولي آخر. أما الصحافة فتسمح لنا برؤية ما يقع بين هذه الأحداث؛ أي الحياة اليومية التي تجعل التحول السياسي واقعًا اجتماعيًا وإداريًا. ومن دون هذه التفاصيل قد تبدو الدولة كأنها قامت بقرار واحد، بينما تكشف الصحف أنها بُنيت عبر آلاف القرارات والإعلانات والتعيينات والمناقشات والأخبار الصغيرة. فالوزارة لا تظهر في التاريخ يوم تعيين وزيرها فقط، بل تظهر أيضًا في تعليماتها وميزانيتها وموظفيها ومراسلاتها والقضايا التي بدأت بتنظيمها. والمدرسة لا تدخل السردية بمجرد إعلان افتتاحها، بل بأسماء معلميها وطلابها ومناهجها وما كتبه المجتمع عنها. والطريق لا يصبح جزءًا من الدولة عند رسمه على الخريطة فقط، بل عندما تبدأ الصحيفة بنشر أخبار السفر والحركة والتجارة والأمن عليه.
لهذا ينبغي أن يحتل أرشيفا «أم القرى» و«صوت الحجاز» موقعًا أساسيًا في مشروع إعادة بناء السردية السعودية. المطلوب ليس إعادة طباعة الأعداد القديمة أو اختيار أخبار طريفة منها، بل تحويلها إلى قاعدة معرفة قابلة للبحث والتحليل. يمكن تتبع تاريخ كل مؤسسة حكومية من أول ظهور لاسمها، ورصد تطور الأنظمة والمصطلحات، وجمع أسماء الموظفين والمعلمين والتجار والكتّاب، ورسم شبكة المدن والطرق التي تظهر في الأخبار، ومقارنة خطاب الدولة في «أم القرى» بالنقاش الاجتماعي والثقافي في «صوت الحجاز». ومن الممكن أيضًا بناء فهارس للأشخاص والأماكن والمؤسسات والأنظمة، وربط كل خبر بالوثائق المقابلة له في الديوان الملكي والوزارات والأرشيفات المحلية والخارجية.
كما ينبغي ألا نتعامل مع ما نشرته الصحف بوصفه الحقيقة الوحيدة أو الكاملة. فالصحيفة الرسمية تخبرنا بما أرادت الدولة إعلانه، لكنها لا تكشف بالضرورة جميع المناقشات التي سبقت القرار أو الاعتراضات التي ظهرت حوله. والصحيفة الأهلية تعكس اهتمامات كتّابها والبيئة التي صدرت فيها، لكنها لا تمثل بالضرورة جميع مناطق البلاد أو فئات المجتمع. ولذلك تكتمل قيمة الصحافة عندما نقارنها بالمراسلات والبرقيات ومحاضر الاجتماعات وذكريات المعاصرين والتقارير الدبلوماسية والوثائق المحلية. عندئذ نستطيع التمييز بين القرار كما نُشر، والنقاش الذي سبقه، والطريقة التي نُفذ بها، والأثر الذي تركه في حياة الناس.
وتحمل رقمنة أرشيفي الصحيفتين فرصة لإعادة جزء من التاريخ السعودي إلى المجال العام. فقد أُتيحت نسخ مصورة من الأعداد الأصلية مع إمكان البحث وفق التاريخ والعنوان والكلمات المفتاحية والأشخاص والموضوعات. غير أن إتاحة الوثيقة لا تعني أن السردية أُعيد بناؤها تلقائيًا؛ فالوثائق تحتاج إلى من يقرأها ويربط بينها، ويخرج منها تاريخ الدولة والمجتمع والأفراد الذين غابت أسماؤهم عن الكتب العامة. الرقمنة تحفظ الصفحة من الضياع وتيسر الوصول إليها، لكن البحث هو الذي يحولها من صورة قديمة إلى معرفة تاريخية.
تكشف «أم القرى» أن الملك عبدالعزيز لم ينتظر اكتمال التوحيد حتى يبدأ كتابة سجل الدولة. فقد أنشأ صحيفتها قبل اعتماد اسم المملكة بثماني سنوات تقريبًا، وجعلها تحمل أخبار مشروعه وقراراته إلى الداخل والخارج. ثم جاءت «صوت الحجاز» قبيل إعلان المملكة لتسجل اتساع المجال الثقافي والاجتماعي، وتمنح جيل التأسيس مساحة يكتب فيها عن نفسه وأسئلته وتطلعاته. وبين الصحيفتين انتقلت الكلمة المطبوعة من إعلان القرار إلى مناقشة المجتمع، وأصبحت جزءًا من بناء المجال الوطني.
وحين نضع الصحافتين داخل السردية السعودية، فإننا لا نكتب تاريخ الإعلام وحده، بل نقرأ كيف تعلمت الدولة أن تخاطب مجتمعها، وكيف بدأ المجتمع يرى نفسه جزءًا من وطن واحد. وحين نشرت «أم القرى» الأمر الملكي باعتماد اسم المملكة العربية السعودية في عددها الصادر يوم 23 سبتمبر 1932، لم تكن تسجل نهاية رحلة التوحيد فقط، بل كانت تفتتح مرحلة جديدة: مرحلة الدولة التي لا تملك أرضًا وحدودًا وسلطة فحسب، بل تملك أيضًا سجلًا مكتوبًا تحفظ فيه قراراتها، ومجالًا عامًا تُناقش فيه تحولات المجتمع، وذاكرة تستطيع الأجيال اللاحقة أن تعود إليها لتعرف كيف بُني وطنها.