حين أشاهد في الحي الذي أسكنه مياهًا غزيرة تتدفق دون حاجة، حتى تبدو بعض الشوارع وكأنها أنهار جارية، أتساءل: هل اعتدنا وفرة الماء إلى الحد الذي جعلنا لا نلتفت إلى ما يُهدر أمام أعيننا؟
إنها ليست مجرد كميات من المياه تختفي في مصارف الطرق، بل موردٌ ثمين كان يمكن أن يُنتفع به، ونعمةٌ من نعم الله تستحق منا قدرًا أكبر من العناية والتقدير.
قال الله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.تكفي هذه الآية لندرك مكانة الماء في حياة الإنسان وسائر المخلوقات. فهو ليس مجرد وسيلة للنظافة أو الشرب، بل عنصر أساسي في الزراعة والغذاء والصناعة والصحة والبيئة، وبه تستمر دورة الحياة من حولنا.
لهذا فالتعامل مع الماء ينبغي ألا يكون قائمًا على وفرة اللحظة، وإنما على إدراك قيمته واستدامته. فالمورد الذي نراه متاحًا اليوم قد لا يكون بالوفرة نفسها دائمًا، وما نستهلكه دون حاجة لا يعود إلينا.
جاء الإسلام بمنهج واضح في التعامل مع النعم، فلا تبذير ولا إسراف، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
والاقتصاد في استخدام الماء جزء من هذا المعنى؛ فليس المطلوب أن نحرم أنفسنا من الماء، وإنما أن نستخدم منه ما نحتاج إليه دون زيادة لا ضرورة لها.
وتتناقل كتب السنة قول النبي ﷺ: «لا تُسرف في الماء ولو كنت على نهرٍ جارٍ».
النهي عن الإسراف ثابت بالقرآن والسنة، والمعنى الذي يحث على الاقتصاد في استخدام الماء واضح في الهدي النبوي.
وهنا تظهر قيمة الوعي: أن ندرك أن سهولة الحصول على الماء لا تعني أنه بلا قيمة، وأن فتح الصنبور لا يعني أن علينا تركه مفتوحًا أكثر مما نحتاج.
ربما اعتاد البعض رؤية المياه المتدفقة في الشوارع، فأصبح المشهد مألوفًا، والمشكلة في أن الاعتياد قد يجعل الإنسان يتوقف
عن السؤال عن مصدر المشكلة أو عن حجم ما يُهدر.
قد يكون السبب تسربًا في شبكة المياه، أو خللًا في أحد التمديدات أو استخدامًا مفرطًا للمياه، وقد يكون نتيجة سلوك فردي يمكن
تجنبه بسهولة.
وفي جميع الأحوال، فرؤية الماء يتدفق بلا فائدة تستحق الانتباه، لأن استمرار التسرب لفترة قصيرة قد يؤدي إلى هدر كميات كبيرة، فضلًاعما قد يسببه تجمع الماء من أضرار على الطرق والأرصفة والممتلكات.
المبادرة بالإبلاغ عن التسربات ليست تصرفًا هامشيًا، بل ممارسة بسيطة يمكن أن تسهم في الحد من المشكلة.
من أكثر المجالات التي يظهر فيها الإسراف استخدام المياه بكثرة في تنظيف السيارات والأفنية والمرافق. ولا يعني الحديث عن ترشيد المياه الدعوة إلى إهمال النظافة، فالنظافة قيمة مهمة، وإنما المقصود هو الوصول إليها باستخدام الوسائل المناسبة والكمية التي تحقق الغرض. فليس كل ماءٍ زائد يجعل المكان أنظف، وليس كل تدفق مستمر دليلًا على جودة التنظيف!
في المقابل، فإن معالجة هدر المياه في الشوارع تتطلب متابعة فعالة من الجهات المختصة، خصوصًا عندما يكون السبب تسربًا أو خللًا في الشبكات أو المرافق العامة.
الكشف المبكر عن التسرب، وسرعة إصلاحه، ومتابعة البلاغات، واستخدام وسائل الرصد الحديثة، كلها إجراءات تقلل من الفاقد وتحافظ على الموارد.
المحافظة على المياه لا ترتبط بحاضرنا فقط، بل بما نتركه للأجيال القادمة. فنحن نستهلك اليوم من موارد ليست ملكًا لجيل واحد، وإنما هي جزء من منظومة الحياة التي يجب أن تستمر بعدنا. من هنا تأتي أهمية أن نغرس في أبنائنا مفهوم الاستدامة؛ أن ما نملكه اليوم ينبغي أن نحسن استخدامه حتى يبقى متاحًا غدًا.
لا ينبغي أن نكتفي بالشكوى من مشاهد الهدر، بل نحاول أن نكون جزءًا من معالجتها، كلٌّ في حدود مسؤوليته وقدرته !
فلا نجعل وفرة الماء سببًا للاستهانة به، ولا نجعل الشوارع شاهدةً على إسرافنا!
الترشيد لا يبدأ من أرقام كبيرة أو مشروعات ضخمة، وإنما يبدأ من وعي الإنسان بقيمة ما بين يديه. الماء حياة، والماء ثروة، والماء أمانة.
ومن شكر النعمة أن نحسن استخدامها، ومن المسؤولية أن نحافظ عليها، ومن الوفاء للأجيال القادمة ألا نستهلك اليوم ما قد
نحتاج إليه غدًا.. ماءٌ يهدر.. ونعمةٌ تُستنزف ! فلنحفظ النعمة قبل أن يصبح الحفاظ عليها ضرورة!