والفرق كبير بين أن يكون المواطن مستفيدًا من مشروع الدولة، وأن يكون أحد شروط نجاحه، ومن هذا المنطلق يمكن قراءة المواطن في فكر سمو الأمير؛ فلا يبدو مجرد متلقٍ أخير لثمار التنمية، ولا رقمًا في تعداد السكان، ولا قوة عمل تستدعى عندما يحتاج إليها الاقتصاد، وإنما أصلًا وطنيًا تبنى قدراته، ثم يصبح هو نفسه قوة من قوى الدولة.
وهذه النقلة مهمة لفهم رؤية السعودية 2030؛ فالرؤية منذ وثيقتها الأولى لم تبدأ من قائمة أوجه قصور يراد علاجها فحسب، وإنما بدأت من «مكامن القوة»، ومن طموحات السعوديين وقدرات بلادهم، وفي افتتاحيتها كتب أنها: «رؤية الحاضر للمستقبل»، وأنها تعبر عن طموحات الجميع وتحكي قدرات البلاد، وبذلك تتغير العلاقة بين المواطن والتنمية: فالدولة التي تريد اقتصادًا مختلفًا تحتاج مواطنًا مختلفًا في قدراته، والدولة التي تريد المنافسة عالميًا لا تستطيع الوصول إليها بمؤسسات عالمية ومواطن محدود التأهيل للمنافسة، وهنا نصل إلى واحد من أكثر المعاني إثارة في المشروع: «صناعة السعودي العالمي».
والعالمية هنا لا تعني إنتاج مواطن منزوع الهوية، ولا استبدال انتمائه الوطني بانتماء كوني هلامي؛ بل الوثائق الرسمية للرؤية تقول العكس تمامًا، فبرنامج تنمية القدرات البشرية يضع في بنائه «القيم والانتماء الوطني والمواطنة العالمية» جنبًا إلى جنب، ويجعل الاعتزاز باللغة العربية وترسيخ الهوية الوطنية جزءًا من الطريق إلى تعزيز تنافسية المواطن السعودي محليًا وعالميًا، إنها بهذا المعنى، عالمية الكفاءة لا عالمية الذوبان، أن تكون سعوديًا في هويتك، عالميًا في قدرتك، أن تعرف تاريخك وثقافتك ولغتك، وفي الوقت نفسه تمتلك المعرفة والمهارة والمرونة التي تجعلك قادرًا على الدراسة والعمل والابتكار والمنافسة في أي بيئة متقدمة في العالم.
ولهذا لا أرى أن برنامج تنمية القدرات البشرية مجرد برنامج للتعليم والتدريب؛ بل هو أوضح الترجمات المؤسسية لصورة المواطن المطلوبة في التحول، فهو يتتبع بناء القدرة منذ الطفولة المبكرة، مرورًا بالتعليم العام والجامعي والتقني والمهني، وصولًا إلى التعلم مدى الحياة، ويستهدف صراحة بناء قدرات وطنية قادرة على مواكبة المتغيرات وتعزيز تنافسية المواطن محليًا وعالميًا.
وهذا يعني أن المواطن في هذا التصور ليس «منتجًا نهائيًا» للعملية التعليمية يتخرج في العشرينات ثم يعيش بما تعلمه بقية عمره؛ فالعالم يتغير أسرع من أن تكفيه معرفة واحدة، والوظائف تتغير، والمهارات تتقادم، والتقنية تعيد تشكيل المهن والأسواق، ولذلك يصبح التعلم المستمر جزءًا من معنى المواطنة القادرة على المستقبل، غير أن بناء المواطن لا يكتمل بالقدرة المهنية وحدها، ففي فكر سمو الأمير تظهر علاقة أخرى لا تقل أهمية: المواطن ليس فقط من تستثمر الدولة فيه، بل من تستثمر الدولة به، والفرق بين العبارتين عميق، فالأولى: تجعل التعليم والصحة والسكن وجودة الحياة والخدمات استثمارًا في المواطن، والثانية: تجعل علمه ومهارته وطموحه وعمله وابتكاره أدوات تستثمر بها السعودية في مستقبلها، وهكذا يخرج المواطن من موقع المتلقي إلى موقع الشريك، ولذلك حينما قال سمو الأمير إن المواطن أعظم ما تملكه المملكة للنجاح، قرن ذلك بدوره المباشر في التنمية والإنجاز، وفي الوقت نفسه قرنه بمسؤولية الدولة عن الحماية الاجتماعية، وجودة الحياة، وفرص العمل، وتحسين الدخل، والخدمات والبنية التحتية، فنحن إذن أمام علاقة ذات اتجاهين: دولة تمكن مواطنها، ومواطن يزيد بقدرته قدرة دولته، ومن هنا أيضًا يمكن فهم اتساع الفرص أمام المرأة والشباب، والابتعاث، وتنمية المواهب، والبحث والابتكار وريادة الأعمال؛ فهي، مع اختلاف مجالاتها، تتحرك داخل سؤال واحد: كم من القدرة الكامنة في المواطن السعودي لم تتحول بعد إلى قدرة فاعلة؟ وفي هذه النقطة يلتقي هذا المقال: «المواطن في فكر الأمير محمد بن سلمان» بمفاهيم أخرى في فكر سموه سنعود إليها لاحقًا حول: القوة والفرصة والقدرة والطموح والتنافسية.
إذن فالمواطن قوة بشرية، وتنمية قدرته تحويل لهذه القوة إلى إمكانية فعل، وإتاحة المجال أمامه فرصة، ودخوله المنافسة اختبار لهذه القدرة، أما الطموح فيرفع باستمرار سقف ما يعتقد أنه يستطيع الوصول إليه، ولهذا حمل خطاب سمو الأمير عن السعوديين قدرًا لافتًا من الثقة بهم، ففي منتدى مبادرة مستقبل الاستثمار عام 2018 شبه همم السعوديين بجبل طويق؛ وهذه صورة لغوية بليغة تختصر رؤية للمواطن لا تبدأ من افتراض عجزه ثم محاولة إصلاحه، بل من افتراض وجود طاقة كامنة ينبغي إطلاقها، وقد ظل هذا المعنى حاضرًا مؤسسيًا حتى أصبحت تنمية القدرات البشرية تُعرّف رسميًا باعتبارها استثمارًا في المواطن وتعزيزًا لتنافسيته، وهنا تحديدًا تتضح المسافة بين المواطن العالمي والمواطن المنسلخ عن وطنه، الأول يحتاج هوية قوية؛ لأن من سيدخل العالم بلا ذات لن يضيف إليه شيئًا يخصه، والسعودي العالمي الذي يمكن استنباط ملامحه من هذا المشروع ليس سعوديًا أقل لأنه أصبح عالميًا، وإنما سعودي أكثر قدرة على حمل سعوديته إلى العالم: بعلمه، ومهنيته، ومنجزه، وثقته، ولغته، وثقافته، وقدرته على التعامل مع المختلف، ومنافسته له، والتعلم منه، والإضافة إليه، وهكذا لا تصبح العالمية نقيض الوطنية، بل إحدى صور اكتمالها.
لقد تغير السؤال، إذن، من: ماذا ستقدم الدولة للمواطن؟ إلى سؤالين متلازمين: ماذا ستقدم الدولة للمواطن ليكون قادرًا؟ ثم: ماذا يستطيع هذا المواطن أن يقدم لوطنه وللعالم بعد أن أصبح قادرًا؟ وبين السؤالين تتشكل صورة المواطن في فكر الأمير محمد بن سلمان: مواطن تعتني الدولة بجودة حياته، وتحمي كرامته الاجتماعية، وتفتح له الفرصة، وتبني قدرته؛ لكنها في المقابل تراهن على علمه وعمله ومسؤوليته وطموحه. مواطن لا يقف خارج مشروع التحول منتظرًا نتائجه؛ لأنه أحد صانعي تلك النتائج، وعندها نستطيع أن نقرأ عبارة سمو الأمير من جديد: «المواطن السعودي هو أعظم ما تملكه المملكة للنجاح»، فالأعظم هنا ليس ما نملكه لنحافظ عليه فقط، بل ما نستثمر فيه، ونطلق قدرته، ثم نراهن عليه، وذلك هو السعودي العالمي:
راسخ الجذور في وطنه، واسع الأفق في العالم؛ يحمل هويته ولا يحملها عبئًا، يدخل المنافسة لا ليشبه الآخرين، بل ليكون قادرًا على أن يضيف إليهم شيئًا من سعوديته.