هناك رجال لا تُقيم مسيرتهم بعدد السنوات التي أمضوها في مواقعهم وإنما بما تركوه من أثر وما صنعوه من مدرسة وما غرسوه في نفوس من عملوا معهم أو اقتربوا منهم. ومن هؤلاء يأتي خالد بن حمد المالك أحد الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الصحافة السعودية ، وأحد أولئك الذين لم تكن الصحافة بالنسبة لهم وظيفة عابرة بل حياة كاملة.

أفنى أيام سنينه في بلاط الصحافة، بدأ محرراً رياضياً، ثم تدرج في ميدانها حتى تولى رئاسة تحرير جريدة الجزيرة، وظل طوال هذه المسيرة ممسكاً بزمام المهنة، حاضراً في تفاصيلها، مؤمناً برسالتها، ومدركاً أن الصحافة قبل أن تكون خبراً ومقالاً وعنواناً هي مسؤولية وأمانة.

ما يميز خالد المالك ليس فقط طول تجربته الصحفية ولا المناصب التي تقلدها ولا السنوات الطويلة التي قضاها في قيادة واحدة من أهم الصحف السعودية، إنما ذلك الإنسان الذي يقف خلف الصحفي.


عرفه العاملون معه قريباً منهم، محبوباً ،يحترم الجميع ويعطي كل ذي حق حقه. وهذه ليست صفات تُكتب في سيرة ذاتية وإنما مواقف تُعرف بالمخالطة والمعايشة، ويشهد بها من عملوا معه وعرفوه عن قرب.

لا أتحدث عنه من بعيد ولا أكتب كلمات مجاملة عابرة، فقد عملت معه ورأيت عن قرب عقلية صحفية فذة، ورأيت كيف ينظر إلى المهنة بعين الصحفي الذي يعرف قيمة الكلمة، ويدرك وزن الخبر، ويفهم طبيعة العمل الصحفي بكل تفاصيله.

من عاشر الصحفيين الكبار، يعرف أن الفارق بين صحفي وآخر لا يكمن دائماً في القدرة على الكتابة، وإنما القدرة على قراءة المشهد وفهم الناس، ومعرفة متى تُقال الكلمة وكيف تُقال. وهذه من الصفات التي لمسناها في خالد المالك طوال مسيرته.

كان ولا يزال واحداً من أعمدة الصحافة السعودية، وشاهداً على مراحل مهمة من تطورها وانتقالها من زمن الصحافة الورقية التقليدية إلى عصر الإعلام الحديث، ومع ذلك بقي حاضراً متابعاً وممسكاً بخيط المهنة.

أجمل ما في مسيرة هذا الرجل أنه لم يسمح للسنوات أن تطفئ وهج الصحفي داخله. فما زال يمسك زمام الصحافة بعقل الصحفي وخبرة المخضرم، وهدوء من عرف المهنة طويلاً ،وعرف رجالها وأسرارها وتحولاتها.

الحديث عن خالد المالك حديث عن جيل كامل من الصحافة السعودية، جيل كانت للكلمة هيبة وللصحيفة مكانة، وللمحرر مسؤولية ،ولرئيس التحرير حضور يتجاوز حدود مكتبه.

وإذا كان لكل مهنة أعلامها فإن خالد المالك واحد من أعلام الصحافة السعودية، الذين يصعب اختزال تجربتهم في منصب أو لقب.

إنه عميد الصحفيين ليس لأن السنوات منحته هذا اللقب فحسب، وإنما لأن التجربة الطويلة والحضور المستمر والعطاء المتواصل والعلاقة التي بناها مع أجيال الصحفيين، جعلت منه اسماً راسخاً في ذاكرة الصحافة السعودية.

حين أكتب هذه الكلمات اليوم فإنني أكتبها وفاءً لرجل يستحق أن يُقال له شكراً.

شكراً لأنك جعلت من الصحافة عمراً ومن الكلمة مسؤولية ومن القيادة ممارسة، تقوم على احترام الإنسان قبل كل شيء.

وشكراً لأنك كنت نموذجاً لرئيس التحرير الذي يعرف أن نجاح المؤسسة لا يصنعه اسم واحد ، إنما يصنعه فريق يؤمن بما يعمل ويجد في قيادته من يقدّر جهده ويحفظ حقه.

من حق هذا العملاق بعد مسيرته الطويلة في دروب الصحافة الوعرةأن نطالب وزارة الإعلام وهيئة الصحفيين السعوديين بالوقوف وقفة وفاء حقيقية، لتكريمه تكريماً استثنائياً يليق بمكانته التاريخية وريادته الإعلامية، فهذا الرجل الذي وهب حياته للكلمة والمهنة يستحق منا جميعاً أكثر بكثير، وما هذا التكريم إلا أبسط واجب يمكن أن يُقدم لمن أفنى عمره في خدمة الصحافة والوطن.

تحية تقدير ووفاء للأستاذ خالد بن حمد المالك عميد الصحفيين ورجل المهنة الذي بقي واقفاً في الصف الأول، ممسكاً بزمام الصحافة شاهداً على تاريخها وصانعاً لجزء من حاضرها.