يشهد الفضاء الرقمي تبادلًا للتهم والنقاشات الحادة بين بعض المحسوبين على القطاع الطبي عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما يتسبب في إثارة البلبلة، وتقديم معلومات غير دقيقة، وانتهاك أخلاقيات المهنة والسرية الطبية. وغالبًا ما تتخذ الجهات الرقابية والجهات الصحية في المنطقة إجراءات نظامية صارمة ضد هذه الممارسات المخالفة للأنظمة.

وهذا الأمر يعكس همًا صحفيًا وثقافيًا واجتماعيًا حقيقيًا، ويمثل ظاهرة تستحق فعلًا التوقف والتأمل والنقد. وما يحدث اليوم على منصات التواصل الاجتماعي من تنافر بعض المنتسبين للقطاع الطبي وانزلاق الحوارات المهنية إلى مساحات من التماري والتناحر والانتقاص المتبادل، يتجاوز بكثير مفهوم «حرية التعبير الفردي» ليدخل في دائرة الإخلال بالمسؤولية الأخلاقية والمهنية.

ويمكن قراءة هذه الظاهرة وأبعادها في عدة محاور:


1. فقدان هيبة المهنة وقدسيتها

يمثل الطبيب أو الممارس الصحي في وجدان المجتمع رمزًا للثقة، والاتزان، والاحتواء، والتعالي على صغائر الأمور. وعندما يخرج الخلاف الطبي أو التخصصي من أروقة الأبحاث، والمؤتمرات، والمستشفيات، والنقاشات العلمية الرصينة، إلى فضاءات «السوشال ميديا» المفتوحة، وتتحول لغة الحوار إلى إثارة و«نكاية» وتصيد، فإن ذلك يهز تلك الصورة الذهنية النقية في عيون المجتمع، ويهدم جزءًا من هيبة المهنة التي تُبنى على مدار عقود.

2. ثقافة «الترند» وتغليب الشخصي على الموضوعي

هذا محور آخر -للأسف الشديد- أدخلت خوارزميات منصات التواصل بعض النخب، ومنهم أطباء ومثقفون، في فخ السعي خلف المشاهدات، والتفاعل، وصدارة «الترند». هذا المناخ المحموم يدفع البعض لتقديم الرأي العجول، والشكوى المستمرة، وتضخيم الخلافات الفرعية على حساب القضايا الجوهرية. فتتحول المنصة الرقمية بالفعل إلى ما أسميتموه بدقة: «جلسة مقهى جانبية» يُلقى فيها الكلام بلا زمام ولا خطام، دون اعتبار لحساسية الكلمة وأثرها العام.

3. غياب الرقابة الذاتية والمهنية

لأن المهن عالية النبل كالجراحة والطب، وشتى فروع العلوم الصحية محكومة تاريخيًا بأعراف وتقاليد صارمة تحمي أسرارها وأدبياتها؛ فغياب الوعي بأثر المنصات الرقمية جعل البعض ينسى أن العالم بأسره يتابع، وأن المرضى وعامة الناس يقرؤون هذه التجاوزات بعين الريبة والقلق. فبدلًا من أن يكون الطبيب مصدرًا للطمأنينة والتثقيف الرصين، صار أحيانًا جزءًا من الضجيج العام.

تعامل النخبة الطبية والعلمية مع منابر التفاعل الحديثة يجب أن يظل محكومًا بالوقار، والرصانة، وتقديم النموذج الإيجابي؛ فالمجتمع حين ينظر إلى أطبائه، لا ينتظر منهم شكوى متكررة ولا صراعات تخصصية ضيقة، بل ينتظر الوعي، والحكمة، والكلمة التي تبني ولا تهدم.