إذا ذكر الرسم بمعناه الكلاسيكي البحت يتصدر ليوناردو دا فنشي ولوحته الموناليزا المشهد، ويصبح الحديث عن الرسم مجرد تفاصيل لتلك اللوحة الأيقونية الشهيرة. هنا يقيَّم الفنان بمدى نقله لموضوع رسمه كما هو، وكلما كان نقله دقيقا كلما زاد من براعته والعكس صحيح. يحفل تاريخ الفن بالآلاف من الرسامين الذين رسموا أعمالا مبهرة، ومنها في رأيي المتواضع ما يفوق الموناليزا رغم شهرة الأخيرة. وبالتالي يصبح الرسم (الفن) نقل الواقع حرفيا.
ومع تطور الفن – في سياقه الغربي بالطبع – اتخذ الرسم مسارات أخرى ابتعدت قليلا أو كثيرا عن مبدأ إتقان النقل، بل إن بعضها قد خرج تماما عن كل ما قد ينتمي للفن بصلة. من هذه المدارس الانطباعية، والرومانسية، والتجريدية، والتكعيبية، والتعبيرية، والسيريالية، وغيرها. ولكل من هذه المدارس مبرراتها وفلسفتها التي تنطلق منها. غير أن ما يربط كل هذه الحركات هو البحث عن المعنى في الرسم.
رأى رواد هذه المدارس من أمثال فان جوخ، سلفادور دالي، بابلو بيكاسو، إدفارد مونغ، وغيرهم الكثير أن نقل موضوع الفن (أكان منظرا طبيعيا، أم رسمة وجه فيما يعرف بالبورتريه، أو أي مشهد طبيعي كان) كما هو، يفتقر إلى المعنى على الرغم من براعة الرسام الذي ينقل. من هنا بدأ البحث عن المعنى في الفن.
نقل عن بيكاسو هذه الحادثة الشهيرة: قال رجل له: «إنك لا تُحسن الرسم سوى خطوط غريبة وألوان متداخلة! فأمسك بيكاسو فرشاته ورسم حبة قمح على الأرض، وكادت تكون حقيقية لدرجة أن دجاجة حاولت التقاطها، عندها انبهر الرجل وقال: لماذا إذن تصر على هذه الرسوم الغريبة، وأنت تحسن الرسم بهذه الروعة؟ فأجابه بيكاسو بهدوء: في الحقيقة أنا لا أرسم للدجاج». بغض النظر عن واقعية هذه الحادثة إلا أنها تختزل مفهوم الفن وإن كان بطريقة تهكمية لا تناسب الكثير لأسباب وجيهة.
مما سبق يمكن الخروج بحقيقة راسخة في طبيعة الفن باعتباره نتاجا إنسانيا وهو حاجته إلى التجديد. لنتخيل الفن لو بقي يسير في اتجاه واحد وهو الرسم الواقعي كما فعل دافنشي ومن اتبع المدرسة الكلاسيكية في الفن. سيكون المنتج الفني واحدا مع اختلاف صانعه، وستبدو جميع اللوحات متشابهة، الفارق الوحيد بينها هو في توقيع الرسام الذي رسمها. هنا أصبح الفن (الرسم) يجري في مسار واحد، معروفة نتائجه سلفا، متشابهة مخرجاته أصلا. هنا ألغي عامل الزمن وأصبح المجتمع بأطيافه كافة والقوى الفاعلة فيه غائبة عن مشهد الحياة، وما رسم قبل قرون هو ذاته لم يتغير، في تجاهل تام لعامل الزمن وعلاقة الفن بالمجتمع.
الحاجة للفن المعاصر ملحة. لنتخيل تحفة معمارية بنيت على أحدث أسلوب معماري وطلب تطعيمها بلوحات فنية. هنا نحن أمام خيارين، إما ملء جدرانها بمناظر طبيعية، أو بأعمال حديثة تعود في أصلها إلى المظلة الفنية التي بنيت بها هذه التحفة. في الحالة الأولى سوف يبدو العمر الفني قد وضع في غير محله، في حين أن العمل الثاني يبدو وكأنه جزء أصيل من البناء نفسه. إذا طبق هذا المثال على الأعمال الفنية التي تفرضها حياة العصر، لأدركنا أهمية مفهوم الفن الحديث ومدارسه وضرورة توظيفها في المجال العام لإضفاء المعنى على الفن.
الفن المعني بالحديث في هذا المقال يعني «فن اللوحة»، بغض النظر عن المادة المستخدمة في رسمها.
أما الفنون الأخرى من «نحت وتصوير وسينما» فتلك رواية أخرى. على عاتق الأكاديميات المؤسسة حديثا باختلاف تخصصاتها تقع مسؤولية التعريف بالفن، ونشر ثقافته على أسس أكاديمية راسخة.