قرر من هو المتكلم، ومن هو مجرد موضوع للكلام.
ولقرون، كانت المرأة هي الموضوع. فكتب الأدب العربي على جسدها أوصافه، وعلى صوتها صمته، وعلى حضورها غيابها.
وهنا بالضبط يكمن الظلم، فالأدب العربي لم يكره المرأة. لو كرهها لهاجمها، وللهجوم رد، وللعداء سجال؛ لكنه أحبها كتحفة. وضعها على رفٍ عالٍ، مصقولة، جميلة، صامتة. والتحفة لا رأي لها.
وأنا حين أقول «الأدب العربي» لا أرى مكتبة، بل أرى مجلسًا طویلًا من الرجال، ممتدًا من سوق عكاظ إلى مقهی حدیث. تغیرت عباءات الجالسين من وبر إلى حرير إلى بدلة لكن الموضوع على الطاولة ظل واحدًا: المرأة. تُوصف، تُصنف، تُمدح، تُذم، لكنها لا تجلس أبدًا على الكرسي. افتح كتب التراجم والطبقات، ستجد آلاف الأسماء من الشعراء والخطباء تلمع، بينما لا تظفر إلا بهامش ضئيل من الشاعرات. ليس لأنهن لم يقلن الشعر، وإنما لأن مفاتيح الحفظ والرواية والتدوين كانت، في معظمها، في أيدي الرجال.
وبينما كان الرجل يجد من يحفظ ويدوّن أشعاره، حتى وإن كان عاديا، فإن المرأة مطالبة بأن تكون استثنائية خارقة، أن تبلغ منزلة الخنساء كي تستحق ما يُمنح للرجل وهو عادي. وهذا ظلم الأرشفة قبل ظلم الوصف.
وإذا كن بعض النساء قد غبن عن الأرشيف، فإن من حضرن فيه لم ينجين دائما من ظلم آخر: ظلم الصورة.
ففي الخيمة الجاهلية كانت المرأة الظعينة التي رحلت في أول القصيدة. يبكيها امرؤ القيس لا لأنها حضرت، بل لأنها غابت. هي أطلال وديار وذكرى.
المرأة هنا ليست جسدًا حتى، بل أثر جسد. طيف عبر، وبقي الشاعر يبكي الأثر. حضورها الوحيد هو في كونه سببًا للبكاء، وغيابها هو ما يجعل القصيدة ممكنة. هي الفاتحة الحزينة التي لا بد منها قبل أن يبدأ الرجل حديثه الحقيقي عن نفسه وخيله وحربه.
وعندما انتقل الأدب العربي من الخيمة إلى القصر الأموي، اتسعت مجالس اللهو، وارتفع صوت الغزل. هنا لم تعد المرأة طيفا في البعيد، بل أصبحت حاضرة في الحكاية؛ وفي شعر عمر بن أبي ربيعة خصوصا، تتحول المغامرة معها إلى حكاية يرويها الرجل عن نفسه، وكأن المرأة تدخل القصيدة لكي تثبت انتصاره هو.
وحتى هنا، لم تكن كل النساء سواء. فقد ابتكر الأدب معجما طبقيا يضع لكل امرأة صورتها: الحرة تُحاط بالعفة والحجاب، والجارية يُرفع عنها كثير من ذلك السقف.
ثم اتجه الأدب العربي شرقا من القصر الأموي إلى أروقة البلاط العباسي اتسع القصر واتخذت صورة المرأة منعطفًا آخر فلم تعد موضوعا للغزل بل شيء يمكن امتلاكه وتقييمه وبيعه.
اقرأ كتاب «الإماء الشواعر» لأبي فرج الأصبهاني الجارية الشاعرة يُكتب في عقد بيعها: تحفظ ألف قصيدة، تجيد عزف العود، وتقول الشعر على البديهة. موهبتها وذكاؤها لا يحررها، بل يرفع ثمنها.
في هذا البلاط، المرأة التي تكتب أفضل، تُباع أغلى. كانت تكتب لتُشترى.
وإذا كان مجلس الخليفة يتاجر بجسدها، فمجلس الكاتب يتاجر بسمعتها. فصول كاملة عن «كيد النساء» و«فتنة النساء»، في العقد الفريد لابن عبدربه والمستطرف في كل فن مستظرف للإبشيهي، وكأن الغدر ليس فعلًا بشريًا، بل صبغة في كروموسوماتها. وحتى «ألف ليلة وليلة»، التي نحتفي بشهرزادها، تبدأ بخيانة لتبرير قتل عذراء كل ليلة. فالمرأة الخائنة هي الشرارة التي أشعلت شموع ألف ليلة وليلة من القتل المؤسسي.
وعندما أبحر الأدب العربي غربا نحو بساتين الأندلس. صار المجلس من رخام، وحوله ماء يجري، وشجر برتقال، وشعراء يلبسون الحرير. لم يعد الشاعر صيادًا ولا تاجرًا، صار عاشقًا محترفًا.
هنا ولد الغزل كفن للأناقة لا للرغبة. ابن زيدون لا يريد جسد ولادة بنت المستكفي، يريد صورتها في قصيدة. ولسان الدين بن الخطيب لا يصف امرأة، بل يرسمها كزخرفة في موشحة.
المرأة في الشعر الأندلسي صارت قصيدة تمشي.
وهنا بالضبط كان الفخ. لأن الأندلسي أعطاها ما لم يعطها المشرقي: حضورًا. سمح لولادة أن تفتح صالونها، وأن ترد على ابن زيدون شعرًا بشعر، وأن تكتب على طرازها: «أنا والله أصلح للمعالي».
الأندلسي لم يجزئها كالمشرقي إلى خصر وردف، بل جمعها كلها في صورة واحدة: المرأة-القصيدة، المرأة-الزهرة، المرأة-المدينة المفقودة. جعلها رمزًا للفردوس الذي سنخسره.
ولهذا كان سقوطها مدويًا. حين سقطت قرطبة، لم تسقط مدينة فقط، سقطت المرأة التي كانت ترمز لها. الشاعر الأندلسي المتأخر لا يبكي حبيبته، يبكي «أندلسًا» كانت على هيئة امرأة... وللحديث صلة.