ما تفعله الميليشيات الحوثية لم يعد مجرد اعتداء عابر يُضاف إلى سجل طويل من الصواريخ والمسيّرات. قبل نحو أسبوعين أعلنت المملكة اعتراض مسيّرة حوثية جنوب مكة المكرمة، قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة.
ثم جاء الإعلان عن هجوم حوثي بطائرة مسيّرة استهدف محطة «طيبة» لتوزيع الكهرباء في المدينة المنورة، دون أن يؤثر - بحمد الله - في الشبكة الكهربائية.
مكة.. ثم المدينة! ماذا يريد الحوثيون؟ وإلى أين يرومون - حسبنا الله عليهم - الوصول ؟
هل يدرك من يطلق هذه المسيّرات والصواريخ أنه لا يعتدي على أمن المملكة فحسب.. إنما يقترب من مقدسات تهفو إليها قلوب أكثر من ملياري مسلم حول العالم؟
والأعجب أن هذه الميليشيا اختارت لنفسها اسمًا كبيرًا: «أنصار الله»! وأمام ما يحدث يصبح السؤال مشروعًا:
أيُّ نصرة لله تكون بترويع الآمنين، وإطلاق الصواريخ والمسيّرات، ووضع محيط أقدس بقاع المسلمين في دائرة الخطر؟
الأسماء لا تصنع المواقف، والشعارات لا تمحو الأفعال، ومن يرفع اسمًا بهذه القدسية عليه قبل غيره أن يعرف حرمة الدماء والمقدسات وأمن الناس.
والحديث هنا واضح لا لبس فيه؛ حديثنا عن الميليشيات الحوثية ومشروعها المسلح لا عن الشعب اليمني الشقيق.. بل إن اليمنيين أنفسهم كانوا ولا يزالون أول من يدفع ثمن مغامرات هذه الميليشيا، ومن حقهم أن يستعيدوا وطنهم ودولتهم ومؤسساتهم، وأن يلتفوا حول قيادتهم الشرعية وينهوا سطوة السلاح الخارج عن سلطة الدولة.
فاليمن السعيد أكبر من جماعة، وأبقى من ميليشيا، ومستقبل أبنائه لا ينبغي أن يبقى رهينة صاروخ أو مسيّرة أو قرار مغامر.
وجاء الخطاب الملكي السنوي الذي ألقاه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين أمام مجلس الشورى ليضع الأمور في نصابها.
فقد أكد سموه دعم المملكة للحكومة اليمنية، لبسط سلطتها على كامل البلاد واستعادة الاستقرار، والتصدي لاعتداءات الميليشيات الحوثية، واصفًا إياها بأنها اختارت «الفوضى والخراب، وتهديد الشعب اليمني والمنطقة مسلكًا لها».
وفي المقابل: أكد سموه أن المملكة تعمل على تجنيب المنطقة تبعات التوتر والصراعات، لكنها لن تتردد في الرد الحازم على أي تهديد لأمنها واستقرارها.. وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تُقرأ جيدًا.
فالمملكة لا تبحث عن حرب ولا تستدعي التصعيد، وأثبتت مواقفها أنها تسعى إلى الاستقرار والحلول السياسية وتجنيب المنطقة وشعوبها المزيد من الدماء والدمار. لكن السلام لا يعني الضعف، والصبر لا يعني العجز، والحكمة لا تعني أن يظل الباب مفتوحًا أمام الاعتداء إلى ما لا نهاية.
وحين تتجه المسيّرات نحو مكة، ثم يُستهدف مرفق حيوي في المدينة المنورة، وتتكرر الاعتداءات على مناطق المملكة ومنشآتها ومدنها، فالمسألة لم تعد حادثة هنا أو صاروخًا هناك. إنها أمن وطن، وحرمة مقدسات، وسلامة مواطنين ومقيمين وضيوف الرحمن.
على الحوثيين أن يقرؤوا جيدًا ما قاله ولي العهد، وأن يدركوا أن المملكة حين تختار الحكمة فإنها تختارها عن قوة، وحين تمد يدها للسلام فإنها تفعل ذلك عن قدرة، وحين تصبر فإن صبرها لا يمكن أن يكون تصريحًا مفتوحًا لمزيد من الاعتداءات.
فهذا وطنٌ يؤثر الحكمة والسلام.. لكنه يعرف، ويعرف من يعتدي عليه، أن للصبر حدودًا!!