لم تكن حادثة «طائرة فلاي دبي» المتجهة من دبي إلى تل أبيب، والتي اضطرت إلى الهبوط في مطار تبوك، مجرد حادثة عابرة تنتهي بانتهاء التحقيق في ملابساتها، بل أصبحت أمام عالم الطيران بأكمله درساً جديداً يستحق التوقف عنده. فحين يأتي الخطر من داخل قمرة القيادة، فالأمر لا يتعلق براكب مشاغب أو عطل فني يمكن احتواؤه، وإنما بخطر يمكن أن يهدد حياة جميع من على متن الطائرة خلال ثوانٍ.

ما حدث يفتح الباب أمام سؤال مهم: هل لا تزال إجراءات السلامة الحالية كافية لمواجهة جميع الاحتمالات، أم إن التطورات والحوادث الاستثنائية تفرض تطوير منظومة جديدة من الإجراءات الاحترازية؟

أثبتت الحادثة أن وجود أكثر من عنصر مؤهل لقيادة الطائرة يمكن أن يكون فارقاً بين النجاة والكارثة، فقد أسهم وجود طاقم طيران احتياطي على متن الطائرة في استعادة السيطرة عليها والهبوط بها بأمان، وهو ما يجعل فكرة وجود طيار ثالث احتياطي في بعض الرحلات، خصوصاً الرحلات الطويلة أو التي تتطلب مستوى أعلى من الاحتياط، أمراً يستحق الدراسة الجادة من الجهات المختصة.


إذا كانت قمرة القيادة هي المكان الأكثر حساسية في الطائرة، فلماذا لا يعاد النظر أيضاً في وسائل توثيق ما يحدث داخلها؟ إن وجود كاميرا تسجل ما يجري داخل قمرة القيادة، وفق ضوابط صارمة تحفظ خصوصية الطيارين ولا تسمح بالاطلاع على التسجيلات إلا في حالات الطوارئ والتحقيقات الرسمية، قد يوفر وسيلة مهمة لمعرفة الحقيقة كاملة، ويساعد المحققين على فهم تسلسل الأحداث بدقة، بدلاً من الاعتماد على روايات متفرقة بعد وقوع الحادث.

كما أن وجود عناصر أمنية مدربة على متن بعض الرحلات ذات الطبيعة الخاصة قد يكون أحد الخيارات التي تستحق الدراسة، فالأمن الجوي لم يعد محصوراً في منع الصعود إلى الطائرة بأداة خطرة أو التعامل مع تهديد يأتي من أحد الركاب، بل يجب أن تكون هناك منظومة قادرة على التعامل مع أي خطر مفاجئ، أياً كان مصدره ومكانه.

ومن الإجراءات التي تستحق الدراسة كذلك وجود أفراد مؤهلين طبياً بدرجة متقدمة ضمن طاقم بعض الرحلات الطويلة، أو طاقم إسعاف عند الحاجة، بحيث يمكن التعامل سريعاً مع الإصابات الخطيرة التي قد تحدث على ارتفاع آلاف الأقدام، خصوصاً أن الطائرة قد تكون بعيدة عن أقرب مطار أو منشأة طبية، وقد تكون الدقائق الأولى حاسمة في إنقاذ حياة المصابين.

قد يقول قائل إن هذه الإجراءات مبالغ فيها، وإن مثل هذه الحوادث نادرة، وهذا صحيح من حيث ندرتها، لكن صناعة الطيران لم تصل إلى مستوياتها الحالية من السلامة لأنها انتظرت تكرار الحوادث، وإنما لأنها تعلمت من كل حادثة مهما كانت نادرة، وحولت أخطاء الماضي إلى إجراءات تمنع تكرارها.

لهذا فالسؤال الأهم بعد حادثة فلاي دبي ليس فقط: ماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ بل: ماذا يمكن أن نتعلم مما حدث؟

فإذا كانت الطائرات مجهزة بعشرات الأنظمة الاحتياطية لمواجهة الأعطال الفنية، وإذا كان لكل نظام تقريباً نظام آخر يعمل عند تعطل الأول، فمن المنطقي أن تمتد الفكرة نفسها إلى العنصر البشري، بحيث لا تكون سلامة الطائرة مرتبطة في لحظة حرجة بشخص واحد أو احتمال واحد.

وجود طيار ثالث، ووسائل توثيق داخل قمرة القيادة، وعناصر أمنية مؤهلة في الرحلات التي تستدعي ذلك، واستعداد طبي أكثر تقدماً، ليست بالضرورة حلولاً نهائية، لكنها أفكار يجب أن توضع على طاولة المختصين، وتخضع لدراسات دقيقة توازن بين السلامة والتكلفة والخصوصية وطبيعة الرحلات.

والأهم ألا ننتظر حادثة أخرى حتى نبدأ التفكير.

ففي عالم الطيران، لا توجد مبالغة في حماية الأرواح، ولا ينبغي أن يكون السؤال: هل حدث هذا من قبل؟ وإنما: ماذا لو حدث؟

أرواح مئات المسافرين الذين يصعدون إلى الطائرة وهم يثقون بأنهم سيصلون إلى وجهتهم بأمان، تستحق أن تكون كل الاحتمالات موضع دراسة، وأن تتحول كل حادثة إلى معرفة جديدة، وكل معرفة إلى إجراء وقائي، وكل إجراء وقائي إلى طبقة إضافية من الأمان.

وربما يكون هذا هو الدرس الحقيقي من حادثة طائرة دبي: أن الطائرة لا ينبغي أن تكون مستعدة فقط لما نتوقع حدوثه، بل لما لم نتوقعه أيضاً.