بطولة كأس الخليج العربي «خليجي 27»، التي تستضيفها جدة، تطرح تساؤلاً جوهرياً على المملكة وهي تستعد للحدث الأكبر المتمثل في كأس العالم 2034: كيف تتحول خبرة هذا الحدث الخليجي إلى قدرات مؤسسية وإرث مستدام؟ وإذا كانت المملكة قد راكمت مؤخراً خبرات واسعة وأثبتت كفاءة استثنائية في إدارة الحشود وتنظيم المسابقات والفعاليات العالمية الكبرى، فإن الرهان اليوم يتجاوز النجاح التنظيمي واللوجستي إلى صناعة الإرث المعرفي. ولعل الإعلام الرياضي يقف في طليعة الميادين التي يمكن من خلالها قراءة هذه الإجابة وتطبيقها على أرض الواقع.
تكمن العبقرية في النقل الإعلامي للأحداث الرياضية في قدرته على التعليم دون تلقين أو تدريس مباشر. فالمشاهد الذي يتسمر أمام الشاشة لمتابعة مباراة، يتلقى معها – إن أُحسن العرض – جرعة مكثفة عن تاريخ البطولة، وملامح المدينة المضيفة، ونبض شوارعها وعادات أهلها، لتتحول المنافسة الكروية من مجرد صراع على الكأس إلى تجمّع ثقافي يعكس أعمق الصلات بين شعوب المنطقة.
تتجلى فوائد هذا النقل المعرفي في اتجاهات متوازية؛ فهو يقدم لجيل جديد تاريخه الرياضي والثقافي عبر عدسة مألوفة وممتعة، ويمنح المؤسسات الإعلامية فرصة نادرة لمراكمة خبراتها في الإنتاج والتغطية الميدانية المعقدة وإدارة البث المتزامن. وفي الوقت ذاته، يتيح للبلد المضيف تقديم هويته ومقوماته السياحية لجمهور إقليمي واسع في لحظة اهتمام جماهيري قلما تتكرر.
إذا ما أردنا إسقاط ذلك عملياً على واقع «خليجي 27»، سنجد أن شبكة القنوات الخليجية والمنصات الرقمية الناقلة للحدث تمثل بحد ذاتها ورشة عمل كبرى لتشارك الخبرة. وهنا يبرز حضور القنوات الرياضية الخليجية، وتحديداً تلك القادمة من منظومة إعلامية لبلد استضاف المونديال الأخير، لتصبح مشاركتها في التغطية من داخل المملكة مثالاً حياً على انتقال الخبرة الإعلامية من مضيف سابق إلى مضيف لاحق. وبموازاة ذلك، تأتي المنصات الرقمية المتنوعة لتضيف البعد الحديث، وتصل بمرونة ومحتوى مبتكر إلى جمهور أصغر سناً تمركز خارج إطار الشاشة التلفزيونية التقليدية.
التجربة الإعلامية الغنية في جدة يمكن أن تتحول إلى مسودة أولى وخارطة طريق نحو مونديال 2034، شريطة أن ننجح في نقل مكتسباتها بوعي. يبدأ ذلك من خلق توازن دقيق يمزج إثارة المباريات بالتعريف بعمق المدينة وتراثها وثقافتها الأصيلة، ويمر عبر بناء منظومة متكاملة تدار برؤية تحريرية واحدة، تنسق بانسجام بين المراسلين في الميدان، والاستوديوهات التحليلية، وصُناع الأفلام الوثائقية.
لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى ضرورة صناعة تكامل حقيقي بين الفضاءين التلفزيوني والرقمي، بحيث يُوزع المحتوى بذكاء يراعي طبيعة جمهور كل منصة. كما أن اجتماع هذه المؤسسات العريقة من دول مختلفة تحت سماء واحدة، يعد بحد ذاته فرصة ذهبية للتعاون وتبادل أفضل الممارسات المهنية في إدارة التغطيات الكبرى.
غير أن كل هذه الجهود والخبرات قد تتبدد وتتلاشى بتفرق فرق العمل بعد البطولة، إن لم تتوّج بتوثيق مؤسسي. فهذه هي النقطة الأهم والأكثر حساسية؛ أن يتحول كل ما تعلمته المنظومة خلال البطولة إلى أدلة عمل وتقارير ومرجعيات، لأن الخبرة التي لا تُوثق، تموت حتماً بانتهاء الحدث.
تمثل التغطية الإعلامية الذكية جسراً يعبر بالمشاهد من متعة الملعب وحاضر المنافسة إلى أصالة التراث وعبق الماضي. وبين مضيف مونديالي سابق كقطر ومضيف مونديالي لاحق كالمملكة، يقدم لنا «خليجي 27» فرصة عملية ثمينة لاختبار جاهزيتنا وانتقال خبراتنا قبل حلول عام 2034، ليؤكد لنا درساً عميقاً مفاده أن الرياضة في خليجنا ليست مجرد منافسة، بل هي احتفال حي بالحياة المشتركة، ومعرفة ثمينة تستحق أن تُحفظ للأجيال القادمة.