يأتي يوم المعلم هذا العام مختلفاً بالنسبة لي. لا لأن معنى المعلم قد تغيّر؛ بل لأنني أقف اليوم في موضع جديد يجعلني أراه من زاوية أخرى؛ أكثر اتساعاً، وأعمق امتناناً، وأشد إدراكاً لحجم الأثر الذي يمكن أن يصنعه إنسان في عقل إنسان.

يأتي وأنا أبدأ محطة مهنية أعتز بها كثيرًا، بانضمامي إلى المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي ضمن برنامج تطوير القيادات التعليمية كمدرب مركزي، محطة لم أشعر منذ لحظتها الأولى أنها امتداد اعتيادي لما سبقها؛ بل انتقال إلى مساحة مختلفة من التفكير والتعلّم وإعادة اكتشاف الأسئلة.

منذ بدايات التجربة الملهمة، كان ثمة شيء مختلف. لم تكن الأسئلة تبحث عن إجابات جاهزة بقدر ما كانت تستدعي ما وراء الإجابة؛ كيف نفكر؟ ولماذا نعتقد ما نعتقد؟ وما الذي يحدث عندما نضع خبراتنا المهنية أمام سؤال عميق لا يسمح بالاحتماء بالمألوف؟


هنا أدركت أن بعض المحطات المهنية لا تضيف إلى سيرتك سطرًا جديدًا فحسب؛ بل تعيد الأسطر السابقة كلها.

في المعهد، وجدتني أمام تجربة يمكنني وصفها أنها رحلة عقلية فاخرة؛ حوار مع عقول كبيرة. وأسئلة تستفز المعرفة ولا تجاملها، ونقاشات تدفعك إلى مغادرة الإجابة الأولى بحثًا عن إجابة أكثر عمقًا، وربما إلى اكتشاف أن السؤال الجيد أثمن من الإجابة السريعة. إنه ذلك النوع الجميل من جهاد الفكر، حين لا يكون التَعلُّم جمعًا للمعلومات، وإنما مراجعة للافتراضات، وتوسيعًا لزوايا النظر، وإعادة بناء لما نظنه محسومًا.

من هنا يبدو لي الدور الذي يضطلع به المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي أكبر من مجرد تقديم برامج تدريبية؛ فهو يعمل على بناء منظومة للتطوير المهني تستثمر في الإنسان الذي يقف خلف جودة التعليم: المعلم، والقائد، والممارس التربوي، والمدرب، وكل من يستطيع أن يحوّل المعرفة إلى ممارسة، والممارسة إلى أثر.

هذا المعنى يتقاطع بعمق مع طموح برنامج تنمية القدرات البشرية؛ فالاستثمار الحقيقي في التعليم يبدأ من الاستثمار في الإنسان، وبناء قدراته، وتعزيز جاهزيته للتعلّم المستمر، وتمكينه من المنافسة والمشاركة الفاعلة في صناعة المستقبل. وحين يتطور المعلم مهنيًا، فإن أثر هذا التطور لا يتوقف عنده؛ بل يمتد إلى صفوف كاملة، وطلبة كثيرين، وقيادات ومؤسسات، ثم إلى مجتمع بأكمله.

ولعل أجمل ما في هذه الرحلة بالنسبة لي، أنني أعيشها في يوم المعلم، وأنا لا أزال، في الجهة الأخرى من المشهد، طالبة. فأنا على مقاعد الدكتوراة، ولا أزال أكتشف أن المسافة بين المعلّم والمتعلّم ليست خطًا يفصل بين شخصين؛ بل دائرة ننتقل داخلها طوال العمر. نعلّم شيئًا، ونتعلّم أشياء؛ نقود موقفاً، ثم نجلس بتواضع أمام فكرة تُعيد تشكيل وعينا.

ولهذا، فيوم المعلم بالنسبة لي ليس مناسبة للاحتفاء بمهنة فحسب؛ بل فرصة للالتفات إلى الخلف قليلًا، ورؤية ذلك الصف الطويل من الأشخاص الذين مروا في حياتنا وترك كل واحد منهم شيئًا لم يغادرنا.

إلى معلمتي الأولى في المرحلة الابتدائية.. شكرًا لكِ منذ أول ارتباك أمام قلم، ومنذ الحرف الذي لم يستقم على السطر، والكلمة التي تعثرتُ في نطقها ثم نطقتها. ربما لم تكوني تعرفين يومها أن يدًا صغيرة تعلّمينها كيف تمسك القلم؛ ستظلُ بعد سنوات طويلة تمسكه لتكتب وتبحث وتسأل. شكرًا لأنكِ لم تعلميني الحروف وحدها؛ بل فتحتِ لي بها أول أبواب العالم.

وإلى معلمتي في المرحلة المتوسطة.. شكرًا لكِ في تلك المرحلة التي لم نكن فيها أطفالًا تمامًا، ولمّا نكن نعرف بعدُ من سنكون. شكرًا لكل كلمة ثقة قيلت في وقتها، ولكل سؤال دفعني إلى التفكير، ولكل موقف جعلني أكتشف في نفسي قدرة لم أكن أعرف أنها موجودة. في تلك السنوات كانت الشخصية تتشكّلُ بصمت، وكان لبعض كلماتك نصيب في تشكيلها.

وإلى معلمتي في المرحلة الثانوية.. معلمة اللغة العربية التي رعت البدايات الأولى للكتابة، شكرًا لكِ حين بدأت الأحلام تأخذ أسماءها، وحين كانت الكتابة بالنسبة لي محاولاتٍ أولى تبحث عن صوتها؛ فرأيتِ فيها شيئًا يستحق أن يُرعى قبل أن أراه أنا.

شكرًا لأنكِ لم تعلميني اللغة بوصفها قواعد ونصوصًا فحسب؛ بل جعلتِني أكتشف أن للكلمة حياة، وأن الكتابة مساحة يمكن للإنسان أن يفكر فيها، ويُعبّر، ويسأل، ويصنع بها أثرًا. كنتِ من أوائل من التفت إلى تلك البدايات الصغيرة؛ قرأتِ، وشجعتِ، ودفعتِني إلى أن أكتب أكر، وأن أثق فيما أكتب، ولعلّ أجمل ما في أثر المعلم أن بعض كلماته لا تنتهي بانتهاء العام الدراسي؛ فقد غادرتُ مقعدي في المرحلة الثانوية منذ سنوات، لكن دعمكِ لم يغادر رحلتي، وظلّ تحفيزكِ حاضرًا حتى اليوم، يرافق كل مرحلة جديدة وكل نص جديد.

شكرًا للكل لأن أثر المعلم عندكِ لم يكن درسًا انتهى؛ بل علاقة بالمعرفة والإنسان ظلّت ممتدة حتى اليوم. وبعض المعلمين لا يعلمونا كيف نكتب فحسب؛ بل يمنحون أصواتنا الأولى الشجاعة كي تُسمَع.