الأسبوع الماضي، قُتل سبعة أشخاص وأصيب أربعة في هجوم مسلح على حافلة تقل مواطنين في حمص، وانفجر خط للغاز بدير الزور، ثم خرجت ثلاث محطات كهرباء عن الخدمة إثر انفجار خط غاز في محطة بريف دمشق. تضاف هذه الوقائع إلى انفجارات طالت مستودعات ذخيرة في مناطق سورية عدة خلال سبتمبر. خلال الصيف، أودى تفجير مقهى قرب القصر العدلي بدمشق بحياة عشرة أشخاص وأصاب 21 آخرين، كما انفجرت عبوتان خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدمشق في يوليو الماضي، وأصيب عدد من الأشخاص.
تختلف هذه الوقائع في طبيعتها ونتائج التحقيق فيها، ولا تكفي وحدها لإثبات أن جهة واحدة تقف وراءها، لكنها تضع أمن المدنيين والبنية التحتية أمام اختبار يتجاوز أثر كل حادثة منفردة. فاستهداف حافلة مدنية يهدد شعور الناس بالأمان، وانفجار خطوط الغاز ينعكس على الكهرباء والخدمات، أما انفجارات مستودعات الذخيرة فتثير أسئلة عن حماية المواقع وإدارة مخلفات الحرب، وتفرض هذه الحوادث على مؤسسات الدولة واجب كشف ملابساتها ومنع تكرارها؛ فأثرها لا يقتصر في الخسائر المباشرة، بل يتجاوز أثر استهداف البنية التحتية حدود الخدمة المحلية، في وقت تسعى فيه سوريا إلى استعادة موقعها ممرًا للطاقة. فمنذ أشهر تعبر الأراضي السورية صهاريج تحمل زيت الوقود العراقي إلى ميناء بانياس، حيث يُصدّر إلى أسواق خارجية، بينها الولايات المتحدة. وفي الاتجاه الآخر، وصلت إلى بانياس شحنة بنزين أمريكية ثم نُقلت بالصهاريج إلى العراق.
وهكذا بدأ يتشكل ممر للطاقة يعمل في الاتجاهين، ويعيد وصل أسواق المنطقة بموانئ المتوسط. يأتي استهداف خط الغاز في دير الزور ودمشق ليثير تساؤلات عن أمن البنية التحتية التي يحتاج إليها هذا الدور الاقتصادي، فاستمرار حركة الطاقة والتجارة عبر سوريا يتطلب طرقًا ومنشآت آمنة، وقدرة على ضمان وصول الشحنات وتشغيل المرافق، وكل اضطراب يضعف الثقة بموثوقية الممر، ويزيد كلفة الاستثمار والتشغيل.
هذه التحديات تحدث فيما بدأت البلاد خطواتها الأولى نحو التعافي بعد سنوات الحرب والعزلة، إذ تحسنت التغذية الكهربائية، وبدأت مشاريع الطاقة والشراكات الاستثمارية وإن كانت محدودة قياسًا إلى حجم الاحتياجات، لكنها تتيح للاقتصاد استعادة بعض نشاطه، وتخفف أعباء يومية عن المواطنين، وتفتح المجال أمام مشاريع أكبر.
يتزامن التحسن الداخلي مع تغير في موقع سوريا الدولي، إذ رفعت الولايات المتحدة اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ثم أزالتها من قائمة الدول الخاضعة لسياسة الرفض الشامل لتراخيص تصدير السلاح، بحيث تُدرس الطلبات حالةً بحالة، ولا يعني ذلك أن تصدير السلاح أصبح تلقائيًا، لكنه يعكس تحولًا في العلاقة ويفتح مجالًا أوسع للتعاون الرسمي.
كذلك عاد الحضور الأوروبي إلى دمشق، وشارك الرئيس أحمد الشرع في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة للعام الثاني على التوالي، في مؤشرات على استعادة سوريا مساحة من حضورها الدولي.
هنا تتضح دلالة التوقيت في التقاء مسارين، عودة سوريا إلى العلاقات الدولية، وظهور دورها مجددًا في حركة الطاقة الإقليمية، بالتوازي مع حوادث تهدد المدنيين والخدمات والمنشآت. قد تختلف دوافع هذه الحوادث، لكن استهداف البنية التحتية يعرقل التحسن، ويؤثر في الثقة، ويرفع كلفة الاستثمار والتشغيل. ويفرض ذلك مسؤوليات متلازمة على الحكومة السورية، عبر تعزيز حماية المدنيين والمنشآت، والإعلان عن نتائج التحقيقات حين تسمح الظروف، ومعالجة مكامن الخلل التي تكشفها الحوادث، سواء ارتبطت بتخريب أو بمخاطر الذخائر ومخلفات الحرب، فالمواجهة الأمنية لا تكتمل بالملاحقة وحدها؛ بل تحتاج إلى مؤسسات تمنع تكرار الاعتداءات، وتحمي خطوط الطاقة ومرافق العبور، وتضمن استمرار الخدمات.
أما دوليًا، فيحتاج الانفتاح السياسي إلى تعاون عملي يعزز المؤسسات ويهيئ ظروف الاستثمار وإعادة تأهيل البنية التحتية، ويمكن للأمم المتحدة والمؤسسات الدولية تنسيق الخبرات والموارد ودعم مسار التعافي وفق احتياجات السوريين، بما يمنح الحضور الدولي أثرًا ملموسًا، ويحول دون بقاء فرص التنمية رهينة التطورات السياسية.
تملك سوريا فرصة لاستعادة دورها في حركة الطاقة والتجارة، لكن تحويل هذه الفرصة إلى مورد مستدام يتطلب حماية البنية التي يقوم عليها هذا الدور ومواصلة بناء مؤسسات الدولة، فكل شحنة نفط تعبر سوريا وكل خط غاز يعمل وكل خدمة تصل إلى الناس، يضيف إلى التعافي سببًا للاستمرار وبناء سوريا الجديدة.