لفت انتباهي موجة إغراق واضحة للصحف - المحترمة وغير المحترمة - بالمقالات الثقافية والفكرية والسياسية والفلسفية وحتى العلمية، وقد تتسمر أمام بعضها مذهولا لغزارة معلوماتها وتنوعها واستحضار كتابها لفلاسفة وعلماء ومفكرين وعظماء غيروا مجرى التاريخ بأفكارهم وكلماتهم وتنظيراتهم، فتشعر أنك أمام كاتب موسوعي يكتب في أي شيء، ويغرف المعلومات من رأسه كما لو كان يغرف من بحر، لكنك لا تلبث أن تشعر أن كتابها متشابهون في معلوماتهم وأساليبهم وطريقتهم في العرض بما يجعلك تشك وأنت تقرأ لأحدهم أنك تقرأ للكل، ولن تلاحظ بصمة واضحة لكاتب أو رأيًا جديدًا ولو قرأت له مئة مقال، فكل ما يبسطه أمامك مطروق قبله ومعروض حد الملل، ولن يفاجئك بأية فكرة جديدة.

اللافت في الموضوع أن كثيرًا من الصحفيين هجروا مهنتهم الأساسية واحترفوا الكتابة، وصاروا بين يوم وليلة كتاب رأي ينشرون في أكثر من صحيفة وأكثر من مقال في اليوم الواحد، صحيح أن بعضًا منهم موهوبون في الأساس وبإمكانهم الجمع بين الصحافة وكتابة الرأي، لكنني أقصد صحفيين لم يُعرف عنهم سوى القص واللصق والتطبيل والتزمير حتى تحولت الصحافة على أيديهم إلى علاقات عامة، غايتها تكوين الصداقات وإقامة العلاقات وتقبل الدعوات، دون مراعاة لأخلاقيات مهنة الصحافة وكونها سلطة رابعة، حتى فقدت مصداقيتها وتأثيرها، بل فقدت وظيفتها الأساسية فكرهها الناس وهجروها ولم يعودوا لتصفحها إلا من باب «تعويد النفس على المكاره».

يبدو أن الكتابة في عصر الذكاء الاصطناعي ستتحول إلى ما يشبه (الموضة)، فيمكن لأي إنسان أن يغدو كاتبًا مشهورًا يشار له بالبنان لمجرد رغبته في أن يكون كذلك من غير أن يكون موهوبًا ولا قارئًا ولا حتى مثابرًا، فالعملية لا تحتاج لأكثر من معرفة بأشهر تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتنزيلها والتدرب على كيفية استخدامها، ولن يستغرق المقال منك بعد ذلك لأكثر من ضغطة زر، بإمكانك تحضيره أسرع من تحضير ملابسك وأنت تتجهز للخروج من منزلك إلى المخيم أو الديوانية، بل قد يسبقك المقال إلى هناك إذا ساعدك أحد بنشره عبر واحدة من كشكات الصحف الإلكترونية التي تكتظ بها حظائر السوشال ميديا، والتي اعتادت أن تملأ صفحاتها بكل ملطوش ومنهوب ومسروق من المقالات والأخبار والتحقيقات وحتى الشائعات، المهم أنك في النهاية ستحصل على مقال جاهز تم تحضيره بطريقة الوجبات السريعة بذل فيه شيف الذكاء الاصطناعي كل عبقريته وخوارزمياته في البحث والنبش والتفتيش بين الأخبار والمواقع ومقالات الرأي وكل ما هو منشور في هذا الفضاء الإلكتروني الواسع من أجل أن يجمِّلك أمام نفسك ومديرك وأمام الناس، المهم أن تفهمه قبل أن تبحث عن شخص يساعدك بنشره في الصحف حتى لا يحرجك أحد الملاقيف الخبثاء ممن يعرفك ويعرف حدود ثقافتك وفهمك ووعيك، ولا أعتقد أنك ستواجه صعوبة في النشر لأن كثيرًا من هذه الصحف قد هجرها كتابها السابقون بعد أن ضاقت بالرأي وشحت بالمال، وباتت تريد إشغال صفحاتها بأي شيء، ولا يهم أن يكون هذا الشيء غثًا أو سمينًا، فهي لا تهتم بالرأي وزيادة الوعي وإثارة الجدل ليتقدم المجتمع بشكل طبيعي حتى لا تصدع رأسها بالمساءلة والمتابعة والغرامات، ولا تريد إغضاب مسؤول من أي درجة أو التقليل من إنجازاته خوفًا من سطوته أحيانًا وطمعًا فيما عنده أكثر الأحيان، أما هموم المواطن البسيط ومتطلباته وعرض ما يشغله فهو آخر اهتماماتها ولو كان يمثل الأغلبية وقوام المجتمع، فهي لا تعبأ بتصديقه أو تكذيبه وليس معنيًا بما ينشر عبر صفحاتها، ولذلك فهو في الغالب كلما فتش بين صفحاتها انتفخت أوداجه وازدادت نبضات قلبه واسوَّد وجهه وأصابه اليأس والإحباط ولعن الحظ الذي أتى به إلى هذا المكان الذي أوغل في إحباطه وضاعف من أحزانه بتزوير واقعه وتصوير أنه أحسن حالًا من (خراش) ذلك المحظوظ الذي تكاثرت عليه الظباء فما يدري ما يصيد منها، المهم أن تستمر صحفهم في الظهور، ويدعى القائمون عليها للمؤتمرات والمعارض والمناسبات على أساس أنهم مؤثرون وموجهون للرأي العام، ولو أدركوا في قرارة أنفسهم أن رؤوسهم فارغة وأن مواهبهم قد تساعدهم في أن يكونوا أي شيء سوى أن يكونوا كتابًا أو مؤثرين.