هل ارتفعت تكلفة هذه السلعة فعلاً أم ارتفع سعرها لأن الجميع يتوقع أن ترتفع تكلفتها مستقبلاً؟
الفارق بين السؤالين قد يوفر على المستهلكين ملايين الريالات.
السيارة مثال آخر.المشكلة نفسها تظهر بصورة مختلفة في قطاع السيارات.
في بعض المركبات الحديثة أصبحت وحدة الإنارة الأمامية منظومة تقنية متكاملة تضم مصابيح LED ووحدات تحكم وحساسات ومحركات ودوائر إلكترونية. وقد يؤدي تعطل مكوّن صغير إلى اقتراح استبدال الوحدة كاملة، لتتحول قطعة إلكترونية محدودة القيمة إلى فاتورة قد تبلغ آلاف الريالات.
هذه ليست مسألة سيارات فقط، وإنما سؤال اقتصادي أكبر: لماذا يصمم المنتج بحيث يصبح إصلاح الجزء شبه مستحيل ويصبح استبدال الكل هو الخيار الأسهل؟
أوروبا بدأت منذ سنوات تتحرك في الاتجاه المعاكس من خلال مفهوم (الحق في الإصلاح). وقد دخل التوجيه الأوروبي بشأن القواعد المشتركة لتعزيز إصلاح السلع حيز النفاذ في يوليو 2024، وأصبحت الدول الأعضاء مطالبة بتطبيق قواعده الوطنية اعتباراً من 31 يوليو 2026. والفكرة الأساسية هي إطالة عمر المنتجات وتشجيع إصلاحها بدلاً من التخلص المبكر منها، بالتكامل مع قواعد التصميم البيئي التي تتناول قابلية الإصلاح وتوافر قطع الغيار.
وفي قطاع السيارات تحديداً توجد لدى الاتحاد الأوروبي قواعد منافسة خاصة بسوق خدمات ما بعد البيع وقطع الغيار. وتستهدف المحافظة على قدرة الموردين والمصلحين المستقلين على المنافسة والوصول إلى قطع الغيار والمعلومات الفنية اللازمة للإصلاح. كما تعد بعض القيود التي تمنع موردي القطع من البيع للموزعين أو المصلحين المستقلين قيوداً خطيرة على المنافسة.
الفكرة التي تستحق الاهتمام ليست نسخ التشريع الأوروبي حرفياً، وإنما تبني المبدأ: لا تجعل المستهلك يشتري منظومة كاملة إذا كان الجزء التالف قابلاً للإصلاح أو الاستبدال بصورة آمنة ومعقولة.
يمكن أن يمتد ذلك مستقبلاً إلى إنارة السيارات والشاشات والأجهزة المنزلية والهواتف والبطاريات والمكونات الإلكترونية. ويصبح من حق المستهلك معرفة ما إذا كان الجزء قابلاً للإصلاح، ومدة توافر قطع الغيار، وسعر القطعة مقارنة بسعر الوحدة الكاملة، وما إذا كان المصنع يسمح للمراكز المستقلة المؤهلة بإجراء الإصلاح.
الأزمات الأخيرة أثبتت أن الأمن الاقتصادي لم يعد متعلقاً فقط بوجود السلعة في الميناء. الأمن الحقيقي يبدأ بمعرفة حجم المخزون داخل الدولة، ومكانه، ومدة كفايته، ومدى تركزه لدى عدد محدود من الموردين.
في زمن الاستقرار يمكن للسوق أن يصحح كثيراً من الاختلالات بنفسه. إذا بالغ تاجر في السعر دخل منافس بسعر أقل. لكن في الأزمات تتغير المعادلة. قد تتعطل الواردات، وترتفع تكاليف التأمين، ويصعب دخول منافسين جدد، ويصبح المخزون الموجود محلياً ذا قيمة استراتيجية.
ومن هنا يمكن التفكير في نظام وطني للرصد المبكر للسلع الحيوية، لا يعلن أسرار الشركات التجارية للعامة، وإنما يمنح الجهات المختصة صورة لحظية عن حجم المخزون وتكلفته ومعدل السحب منه وتغير أسعار الاستيراد.
مثل هذا النظام سيجعل الدولة قادرة على التمييز بسرعة بين ثلاثة أنواع من ارتفاع الأسعار: ارتفاع حقيقي بسبب زيادة التكلفة، وارتفاع احترازي بسبب توقع نقص الإمدادات، وارتفاع انتهازي يستغل خوف المستهلك.والنوع الثالث هو الذي يحتاج إلى رقابة أكثر صرامة.
من الخطأ تحويل العلاقة بين المستهلك والتاجر إلى مواجهة. التاجر جزء أساسي من الأمن الاقتصادي، والمستورد الذي يحتفظ بمخزون كبير يتحمل تكلفة التخزين ورأس المال والمخاطر، ويستحق عائداً عليها.
لكن السوق الصحي يقوم على معادلة واضحة: حرية التجارة مقابل شفافية حقيقية، وحرية التسعير مقابل منافسة حقيقية، وحق الربح مقابل منع استغلال القوة السوقية والظروف الاستثنائية.
التجربة الأوروبية نفسها لا تقوم على إلغاء السوق، وإنما على حمايته من التشوه. حتى المادة 102 الأوروبية لا تجرّم امتلاك المركز المهيمن في ذاته، وإنما تستهدف إساءة استخدامه. وهذا فارق جوهري.
نحن مقبلون على عالم قد تصبح فيه اضطرابات سلاسل الإمداد حالة متكررة وليست حدثاً نادراً. حرب تغلق ممراً بحرياً، وعقوبات توقف مورداً، وتوتر تجاري يرفع الرسوم، وكارثة طبيعية تعطل مصنعاً، وأزمة رقائق تؤخر صناعة كاملة.
لذلك لم يعد كافياً أن نسأل بعد كل أزمة: لماذا ارتفعت الأسعار؟
السؤال الأكثر أهمية هو: كم كان لدينا من المخزون قبل الأزمة، وبأي تكلفة اشتري، وكم ارتفعت التكلفة الفعلية بعد الأزمة، ومن استفاد من الفارق؟
وعندما نصل إلى مرحلة يستطيع فيها النظام الرقابي الإجابة عن هذه الأسئلة فوراً، سنكون قد انتقلنا من مراقبة الأسعار بعد ارتفاعها إلى حوكمة السوق قبل أن يدفع المستهلك ثمن الخوف. فالمستهلك لا يطلب من التاجر أن يخسر، ولا ينبغي له ذلك.
إنه يطلب شيئاً أبسط بكثير: إذا ارتفعت التكلفة، ارفع السعر بما يعكسها.
أما إذا كان المستودع ممتلئاً ببضاعة اشتريت قبل الأزمة وتكفي السوق لوقت طويل، فلا تجعل الحرب التي لم تصل إلى مستودعك تصل إلى جيب المستهلك.