انتهيت في المقال السابق إلى مقاربة الإجابة عن سؤال: هل وراء المنجز فكرة؟ وبعد وجود بنية فكرية وراء المنجز؛ فإننا ننتقل إلى سؤال أصعب وأكثر حساسية: لمن تنتمي هذه الفكرة؟ وهنا يصبح الانتقال من إثبات الفكرة إلى نسبتها امتحانًا آخر للقراءة.

المصدر الأول والأوضح هو سمو الأمير نفسه: مقابلة يتحدث فيها، أو كلمة يلقيها، أو تصريح يدلي به، أو إجابة يقدمها عن سؤال، لكن حتى هنا لا تنتهي المشكلة، فالمقابلات ليست سواء؛ منها المسجل بالصوت والصورة، ومنها ما نشر نصه كاملًا، ومنها ما حرره الصحفي واختصره، ومنها ما كتب على هيئة قصة صحفية تتخللها اقتباسات مباشرة، ومنها ما نقل ما ترجم عن لغة أخرى، وهكذا يصبح السؤال عن صحة المصدر مختلفًا عن السؤال عن صحة النسبة، فصحة المصدر شيء، وصحة نسبة الفكرة من خلاله شيء آخر، فقد تكون الصحيفة موثوقة تمامًا، لكن المقال الذي نشرته لا يقدم النص الكامل للمقابلة، وقد يكون الاقتباس صحيحًا، لكن اقتطاعه من السؤال الذي سبقه أو الكلام الذي تلاه يغير المساحة التي يجوز لنا أن نبني عليها تفسيرنا، ولهذا تعلمت أثناء هذه القراءة ألا أبحث عن العبارة وحدها، بل عن سياقها أيضًا، فلا يكفي أن نجد الشاهد؛ فقد يكون السياق المحيط بالشاهد أهم من الشاهد نفسهز

لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا حينما نغادر كلام سمو الأمير المباشر إلى الوثائق، فرؤية السعودية 2030، مثلًا، ليست مقابلة صحفية مع سمو الأمير، لكنها أيضًا ليست وثيقة يمكن التعامل معها كما نتعامل مع تقرير صادر عن جهة بعيدة عن صاحب المشروع، فقد قدم سمو الأمير الرؤية منذ بدايتها بوصفها رؤية طموحة قابلة للتحقق تعبر عن الأهداف بعيدة المدى وتستند إلى مكامن قوة المملكة وقدراتها، ثم تحولت الرؤية إلى أهداف إستراتيجية وبرامج تحقيق وإستراتيجيات ومؤشرات ومسارات تنفيذية، فكيف نتعامل معها؟


لا يصح - في رأيي - أن ننسب كل جملة في مئات الصفحات التي أنتجتها الرؤية وبرامجها وإستراتيجياتها لسمو الأمير محمد بن سلمان، فنضعها بين علامتي تنصيص ونقول:

قال الأمير، لكن لا يصح في المقابل أن نتعامل معها كما لو أنها لا تكشف عن فكره وعبقريته الفذة، فهذه الوثائق نشأت داخل مشروع قاده بشكل مباشر من بدايته وحتى اليوم، وأشرف على بنائه، وتابع تنفيذه، وتحول من خلال المؤسسات التي يرأسها أو يقودها إلى برامج وسياسات وإستراتيجياتز وهنا نحتاج إلى التمييز بين النص الشخصي والمشروع الذي يحمل بصمة صاحبه.

المقابلة قد تكشف لغته مباشرة، أما وثيقة الرؤية فتكشف بنية المشروع، والبرنامج يكشف كيف تتحول الغاية إلى خطة، والإستراتيجية تكشف ترتيب الخيارات، والنظام يكشف انتقال الفكرة إلى المؤسسة، والتقرير يكشف ما حدث لها أثناء التنفيذ، ولذلك لا تتساوى هذه المصادر في نوع النسبة، وإن كانت تتكامل في بناء القراءة.

ولعل المثال الأوضح هو أن الرؤية لم تبق وثيقة معلقة في أجهزة الدولة؛ فقد تحولت أهدافها إلى برامج تحقيق، ولكل برنامج خارطة طريق وخطط تنفيذ ومؤشرات أداء، وبعد نحو عقد، تصف تقارير الرؤية منظومة تنفيذ تراكمت عبر الزمن، وتعززت فيها القدرات المؤسسية وإدارة الأداء والتنسيق والمساءلة، وهنا لا نكون أمام عبارة قالها شخص وانتهت، بل أمام فكرة دخلت المؤسسة، وهذا يفتح أمامنا نوعًا ثالثًا من الأدلة وهو: القرار، فالقول يكشف ما يفكر فيه صاحبه في لحظة ما، لكن تحويل الفكرة إلى نظام أو مؤسسة أو برنامج أو مستهدف يكشف درجة أخرى من علاقتها بالمشروع، وقد تكون هذه الدرجة، في بعض المواضع، أشد دلالة من تكرار العبارة نفسها.

كل هذه الاحتياطات قد تبدو لأول وهلة وكأنها تضيق مساحة البحث، لكنها في الحقيقة تقويه؛ لأن هدف هذه السلسلة ليس أن تنسب أكبر عدد ممكن من الأفكار إلى سمو الأمير محمد بن سلمان، وإنما أن تعرف ما الذي يمكن نسبته إليه بدرجة معقولة من الاطمئنان، وما الذي ينبغي إبقاؤه في دائرة المشروع المؤسسي، ومن هنا بدأت المصادر تتخذ عندي وظائف مختلفة، فالمقابلات والكلمات والتصريحات تكشف لغة الفكر مباشرة، ورؤية السعودية 2030 ووثائق التحول تكشف بنيته العامة، والبرامج والإستراتيجيات تكشف آلية تحويله إلى عمل، والأنظمة والقرارات تكشف مأسسته، والتقارير والمؤشرات تكشف مساره ونتائجه، أما الدراسات والصحافة والتحليلات، مهما بلغت أهميتها، فتساعد على التحقق والفهم والمقارنة واكتشاف المصادر، لكنها لا ينبغي أن تكون وحدها أساسًا لنسبة فكرة إلى صاحبها متى كان المصدر الأصلي متاحًا، وبذلك تتغير طريقة القراءة، فبدل أن أقول: وجدت هذه الفكرة في وثيقة رسمية، إذن هي من فكر الأمير؛ يصبح علي أن أسأل: ما طبيعة هذه الوثيقة؟ وما علاقة الأمير بها؟ وهل تحدث عن الفكرة بنفسه؟ وهل تظهر في أكثر من مصدر؟ وهل انتقلت إلى مشروع أو قرار؟ وهل تنتمي إليه شخصيًا، أم إلى الدولة ومؤسساتها، أم إلى الاثنين ولكن بدرجتين مختلفتين؟ وقد يكون الجواب أحيانًا: لا أعرف، وهذه، في البحث، إجابة أفضل من نسبة لا نستطيع إثباتها.

بل إن قوة القراءة لا تظهر فقط فيما تستطيع إثباته، وإنما أيضًا في قدرتها على الامتناع عما لا تستطيع إثباته، ومن هنا أصبحت المسألة بالنسبة إلي ليست جمع مصادر كثيرة، بل وضع كل مصدر في المكان الذي يستطيع أن يكون شاهدًا على فكر سموه، وليس في المكان الذي نريده أن يشهد منه، فالمصدر الواحد قد يلد أكثر من عنوان، والعنوان الواحد قد يحتاج إلى أكثر من مصدر.

والمقابلة التي تكشف تصورًا للفرصة قد تكشف في الوقت نفسه معنى القدرة والأولوية والزمن، أما مفهوم واحد مثل «المستقبل»، فقد يحتاج إلى مقابلات وكلمات ووثائق وإستراتيجيات ومشروعات تمتد عبر سنوات حتى نفهم موقعه الحقيقي، وعند هذه النقطة يصبح السؤال: لمن تنتمي الفكرة؟ جزءًا من الفكرة نفسها، لأننا حينما نفصل بين قول سمو الأمير، ومشروعه، ومؤسسات الدولة، لا نفصل بينها لكي نقطع الصلة؛ وإنما لكي نعرف طبيعة الصلة ودرجتها.

وهكذا أصل بعد سؤال المقال السابق: هل وراء المنجز فكرة؟ إلى قاعدة ثانية في هذه القراءة: لا يكفي أن تثبت الفكرة؛ يجب أن تثبت نسبتها أيضًا.

لكن حتى إذا ثبت وجود الفكرة، واطمأننا إلى نسبتها، يبقى سؤال ثالث: متى تستحق هذه الفكرة أن تصبح مفهومًا مستقلًا وعنوانًا لمقال؟ لماذا أصبحت «الفرصة» عنوانًا، بينما لم تصبح «القيمة» كذلك؟ ولماذا بقي «الطموح» مستقلًا عن «المستقبل»، بينما دخلت «المخاطر» في مفهوم «التحدي»؟ هنا لم يعد السؤال عن المصدر ولا عن النسبة، وإنما عن بناء المفهوم نفسه، وهو ما سأحاول الاقتراب منه في المقال القادم: حينما يكون العنوان فرضية.