ومع امتداد التعايش بين الناس، وتراكم التجارب، وتبادل الآراء والأفكار، واتساع دوائر العلم والثقافة والمعرفة، يتشكّل بناءٌ جمعي شامخ؛ وجداني ولغوي وثقافي وفكري، تضرب جذوره في أعماق المجتمع، وتتسع أغصانه لتظلّل أفراده على اختلاف أعمارهم ومشاربهم. وبمرور الزمن يصبح هذا البناء جزءًا أصيلًا من هوية المجتمع، ومكوّنًا راسخًا من مكوّنات وعيه ووجدانه.
من الشواهد الجميلة على هذا التفكير الجمعي، أو الوجدان المشترك، ما استقر في أذهان المجتمعات من تقدير بعض المهن وتبجيل أصحابها، كالطب والتعليم.
لم ينشأ ذلك التقدير عبثًا، بل كان استجابةً لحاجات أصيلة في حياة الإنسان؛ فالصحة ضرورة، والعلم أساس، ومن يخدمهما ينال في الوجدان الجمعي قدرًا يليق بأثره. ثم قد يأتي جيل آخر، فتفرض ظروفه ومتغيرات عصره حاجات جديدة، فينشأ عنها نمط آخر من التقدير الجمعي، يتناسب مع ما يواجهه ذلك الجيل من تحديات وما يتطلع إليه من آمال.
أما نحن، شعب طويق، ففي هذا الزمن المتسارع، وفي هذا الوطن العظيم بأهله وقيادته، ومع تزاحم الأحداث، واشتداد الصراعات، وانكشاف المواقف، فقد تشكّل في وجداننا، من الخليج العربي شرقًا إلى البحر الأحمر غربًا، ومن حدود الشمال إلى حدود اليمن جنوبًا، شعور وطني عميق تتصدره معاني الوحدة واللحمة والولاء لقيادتنا وولاة أمرنا.
لقد صنعت الأحداث وعيًا، ورسّخت المواقف يقينًا؛ فما شهدناه من حكمة في إدارة الأزمات، وبصيرة في قراءة المتغيرات، وثبات في المواقف، وحسن تقدير في اتخاذ القرارات، عمّق في النفوس معاني الثقة والالتفاف حول الوطن وقيادته، حتى غدا هذا التلاحم سياجًا معنويًا يحفظ للوطن تماسكه ويزيده قوةً وصلابة.
في الوجدان ذاته، علت مكانة جنودنا البواسل ورجال قواتنا المسلحة، وارتفعت لهم في النفوس منازل الفخر والتقدير؛ رجالًا يحملون شرف الدفاع عن الأرض والحدود، وتسندهم منظومات دفاعية جوية وبرية وبحرية، ومعهم قيادات وكفاءات وطنية، وشخصيات سياسية وإعلامية ومؤسسية ومجتمعية، يجمعها الانتماء إلى وطن واحد، والحرص على أمنه واستقراره ومصالحه.
إنها صورة وطن تتلاحم فيه القيادة مع الشعب، وتتكاتف فيه مؤسسات الدولة مع رجالها، ويلتقي فيه الفكر بالعاطفة، والواجب بالولاء، والإرادة بالفعل؛ حتى يبدو الوطن، في ساعات الرخاء والشدة، كالجسد الواحد: إذا استشعر الخطر توحّد، وإذا ناداه الواجب نهض، وإذا اشتدت حوله الخطوب ازداد تماسكًا وثباتًا.
ذلك هو شعب طويق؛ شعبٌ يستمد من وطنه شموخه، ومن وحدته قوته، ومن تاريخه اعتزازه، ومن قيادته ثقته، ومن رجاله أمنه. وطنٌ لا تصنع وحدته الشعارات، بل تصنعها المواقف، ولا يحرس تماسكه القول وحده، بل تحرسه إرادة شعب، وحكمة قيادة، وسواعد رجال.
فالحمد لله أولًا وآخرًا على نعمة الوطن ووحدة الصف واجتماع الكلمة، ونسأله سبحانه أن يحفظ المملكة العربية السعودية، وقيادتها وشعبها وجنودها، وأن يديم عليها أمنها وعزها واستقرارها، وأن يرد عنها كيد كل من أراد بها أو بأهلها سوءًا.