لو تأملت مشهد التواصل الاجتماعي اليوم، ستلاحظ شيئًا غريبًا يتكرر أمامك باستمرار «حساب يرفع علم السعودية، ويتسمى باسم إحدى عوائلها» يحاول بالطرق كافة كتابة تغريدات بلهجة محلية محبوكة بدقة أو ركيكة أحيانًا. هذا الحساب لا يكتفي بالوجود الهادئ، بل يندفع فجأة لنشر طرح مستفز، أو افتعال خصومة مع مجتمع شقيق، أو ترويج شائعة تكاد تطير بها الركبان.

في الماضي، كان يمكن تفسير هذه التصرفات بأنها اندفاعات فردية، أو مجرد اختلاف في وجهات النظر. لكن الواقع اليوم أكثر تعقيدًا؛ ما نراه هو نموذج عمل قائم بذاته، واقتصاد كامل يعتاش على استفزاز الناس وإثارة غضبهم.

منذ أن أتاحت منصة «X» (تويتر سابقًا) خاصية مشاركة الأرباح، تحولت الهوية الوطنية لدى البعض إلى مجرد زي تنكري يرتدونه لجني المال.


المعادلة حُسبت بذكاء خبيث: اكتب شيئًا يثير الحفيظة باسم «سعودي»، وسيرد عليك آلاف الأشخاص بين مدافع ومهاجم، ليرتفع مؤشر المشاهدات، وفي نهاية الشهر يصل المردود المالي. الخوارزمية في النهاية لا تملك حسًّا أخلاقيًا ولا تميز الحق من الباطل، بل تحول التفاعل - حتى وإن كان غضبًا وشتمًا - إلى أرقام وأرباح.

الخطورة هنا لا تقف عند حدود المتاجرة بالهوية، بل تتعداها إلى محاولة فرض واقع زائف. المتابع الخارجي الذي لا يعرف طبيعة المجتمع السعودي عن قرب، قد ينخدع ويتوهم أن هذه الأصوات الشاذة تمثل الشارع السعودي أو تعكس قيمه. وهذا بالتحديد ما يسعى إليه صانع الشائعة: تشويه سمعة مجتمع كامل، وإظهاره بمظهر النشاز.

السؤال الحقيقي هنا: كيف نتعاطى مع هذا المشهد دون أن نقع في الفخ؟

الحقيقة أن العاطفة والحمية الوطنية التي تدفعنا فورًا للرد والتفنيد، قد تجعلنا - من حيث لا ندري - شركاء في نجاح هذه الحسابات. ففي كل مرة تعيد نشر التغريدة لتنتقدها، أو تكتب تعليقًا لترد فيه، أنت تمنح هذا الحساب انتشارًا أوسع وتضع في حسابه مكاسب جديدة.

الدفاع عن الوطن في الفضاء الرقمي لم يعد يحتاج إلى اندفاع عاطفي، قدر ما يحتاج إلى وعي بآلية اللعبة. الحساب المضلل يتهاوى فورًا عندما يُحرم من المادة التي يقتات عليها، وهي «تفاعلك». التجاهل الذكي، المتبوع بالإبلاغ التقني عبر الجهات المختصة، هو السلاح الأقوى لقطع الشريان المالي والتفاعلي عن هذه الشبكات.

هذا الوطن أكبر بكثير من أن تنال منه أرقام وهمية أو أسماء مستعارة تُصنع خلف الشاشات.

قيم المجتمع السعودي، وأخلاقه، وحضارته الحية تتجلى في أفعال أبنائه وفي المنجزات الاستثنائية التي يراها العالم رأي العين. وحين يصبح الوعي سلوكًا يوميًا لدى كل مواطن، سنغلق الباب نهائيًا أمام كل من يحاول التكسب باسمنا أو الإساءة لسمعتنا.