في جنوب تعز، لم تعد خريطة الحرب تحتاج إلى أسابيع كي تتغير، بل إلى ساعات. ففي نحو 48 ساعة، انتقلت المواجهات من تقدم للقوات اليمنية واستعادة مواقع في الشمايتين وسامع، إلى هجوم حوثي مضاد حاول إعادة تحريك خطوط التماس باتجاه الصافية والتربة. وبين الهجوم والهجوم المضاد، تحولت الطرق والمرتفعات والقرى الصغيرة إلى مفاتيح لمعركة أكبر، فيما وجد السكان أنفسهم في مواجهة جبهة متحركة تقترب من منازلهم وطرق تنقلهم وإمداداتهم.

خريطة متحركة

بدأ التحول الميداني مع استعادة القوات اليمنية منطقتي المقارمة والزكيرة في مديرية الشمايتين، بالتزامن مع تقدمها في جبهة سامع والسيطرة على مواقع ومرتفعات جديدة بعد معارك مع الحوثيين.


وعكس هذا التقدم اتجاها لتوسيع نطاق الضغط على مواقع الجماعة وتثبيت خطوط القوات اليمنية جنوب تعز، وتأمين الممرات الحيوية، بالتوازي مع عمليات وضربات استهدفت تعزيزات ومواقع عسكرية حوثية في أكثر من محور.

غير أن الحوثيين دفعوا بتعزيزات وشنوا هجوما مضادا في محاولة لاستعادة زمام المبادرة، وتركز الضغط باتجاه محور الشمايتين والصافية، لتدخل الطرق المؤدية إلى التربة والمناطق الجنوبية مباشرة ضمن نطاق المواجهة.

نحو التربة

ومع امتداد الهجوم الحوثي جنوبا، اقتربت المواجهات من مدينة التربة، وتحولت المرتفعات والمداخل المحيطة بها إلى نقاط شديدة الحساسية في معركة السيطرة على الطرق.

وتكتسب التربة أهميتها من موقعها على شبكة المواصلات التي تربط جنوب تعز بالمناطق المجاورة، ولذلك فإن الضغط العسكري باتجاهها لا يرتبط بالسيطرة على مدينة فحسب، وإنما بمحاولة التأثير في حركة القوات والإمدادات وطرق التنقل في مساحة أوسع من جنوب المحافظة.

وفي المقابل، تواصل القوات اليمنية عملياتها لتثبيت المواقع التي استعادتها واحتواء الهجمات الحوثية المضادة، ما يجعل خطوط المواجهة مرشحة لمزيد من التحولات مع استمرار القتال على المرتفعات والممرات الاستراتيجية.

الناس أولا

بالنسبة إلى المدنيين، لا تعني الخريطة المتحركة مجرد انتقال خطوط السيطرة فوق الخرائط العسكرية. فالطريق الذي تمر عبره الأسر والمسافرون والبضائع يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى خط مواجهة، والقرية الواقعة خلف الجبهة قد تصبح في نطاق الاشتباكات مع تغير مواقع القوات.

ومع انتقال المواجهات بين سامع والشمايتين والصافية ومحاور التربة، تتزايد الضغوط على حركة السكان والإمدادات، فيما يظل خطر النزوح قائما إذا استمر القتال واتسعت دائرة المواجهة على الطرق المؤدية جنوبا.

حرب أوسع

لا تبدو معركة جنوب تعز منفصلة عن التحول الأكبر الذي تشهده الحرب اليمنية. فمع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بدء عمليات عسكرية واسعة لاستعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، أصبحت تحركات القوات اليمنية في تعز جزءا من مشهد عملياتي أوسع يمتد إلى جبهات أخرى.

وتكشف الساعات الـ48 الأخيرة أن المعركة لم تعد فقط على المدن، وإنما على شبكة من المرتفعات والممرات والطرق التي تمنح السيطرة عليها أفضلية ميدانية وتحدد اتجاه التحرك التالي.

وهكذا تختصر قرى جنوب تعز صورة المرحلة الجديدة من الحرب: قوات يمنية تتقدم وتستعيد مواقع، وهجمات حوثية مضادة تحاول وقف الاندفاع، وطرق تتحول إلى ساحات قتال، ومدنيون يراقبون خريطة تتغير أمامهم بسرعة، حتى باتت بعض القرى تستيقظ على سلطة.. وتنام على أخرى.