قبل أكثر من عام كتبت هنا في «الوطن» عن فكرة اعتماد عام تأهيلي للراغبين في دخول مهنة التعليم، وطرحت يومها سؤالًا ما زلت أراه مشروعًا: ماذا يعني أن يقضي الطالب سنواته الجامعية في تخصصه، ثم يكتشف بعد التخرج أن طريقه إلى الفصل المدرسي يحتاج إلى مرحلة أخرى قبل أن يصبح مؤهلًا للمهنة؟ اليوم أصبحت الصورة أكثر وضوحًا مع إطلاق «الماجستير المهني في التدريس»، وهو برنامج يمتد عامًا دراسيًا، يستهدف إعداد الراغبين في الالتحاق بمهنة التعليم. الفكرة في أصلها مفهومة؛ فالتدريس لا يقوم على المعرفة بالتخصص وحدها، بل يحتاج قدرة على الشرح، وإدارة الصف، والتواصل مع الطلاب، والتعامل مع المواقف اليومية داخل المدرسة. لكن تفاصيل القبول وآلية المفاضلة تفتح أسئلة تستحق أن تناقش بهدوء.

من شروط التقدم ألا يقل معدل البكالوريوس عن 3.75 من 5، مع اجتياز اختبار الرخصة المهنية التخصصي، ثم تبدأ المفاضلة الأولية التي يدخل فيها معدل البكالوريوس واختبار التخصص بنسبة 40 %، تليها مرحلة لاختبار المهارات الشخصية والسلوكية، ثم المقابلة الشخصية بنسبة 60 %، وصولًا إلى الفرز النهائي والقبول في البرنامج.

هنا يظهر السؤال الأهم: إذا كانت المقابلة الشخصية والمهارات الشخصية والسلوكية تمثل هذا الوزن الكبير في تقييم المتقدم، فهل من المناسب أن يكون المعدل الجامعي حاجزًا يمنع من يقل معدله قليلًا عن 3.75 من الوصول أصلًا إلى هذه المراحل؟ المعدل مهم، ولا يمكن تجاهله؛ فهو يعكس جانبًا من أداء الطالب خلال دراسته، لكنه لا يكشف وحده كل ما يحتاجه المعلم. قد يتخرج طالب بمعدل مرتفع، لكنه يحتاج إلى تطوير مهاراته في التواصل أو إدارة الصف أو تبسيط المعلومة. في المقابل قد يكون خريج آخر أقل معدلًا، لكنه يمتلك حضورًا جيدًا، وقدرة على الحوار، وصبرًا، واستعدادًا حقيقيًا للمهنة. فلماذا لا تُجمع هذه العناصر كلها في مفاضلة واحدة بدل أن يتحول المعدل إلى باب أول للاستبعاد؟ اللافت أن تصميم البرنامج نفسه يعترف عمليًا بأن مهنة التعليم تحتاج إلى ما هو أبعد من التحصيل الأكاديمي؛ فهناك اختبار للمهارات الشخصية والسلوكية، ومقابلة لها وزن مرتفع. وهذا يعني أن الجهة المسؤولة تبحث عن جوانب لا تظهر في كشف الدرجات. وإذا كان الأمر كذلك، فالسؤال يصبح أكثر وضوحًا: لماذا لا يكون المعدل عنصرًا من عناصر التقييم بدل أن يكون شرطًا قاطعًا قبل بدء التقييم الحقيقي؟ هذا لا يعني إلغاء الحد الأدنى أو فتح القبول بلا ضوابط، إنما مراجعة مكان المعدل داخل منظومة الاختيار. فقد يكون من الأنسب أن يظل مؤشرًا مهمًا، لكن دون أن يحجب فرصة التقييم عن خريج يملك عناصر أخرى قوية يمكن أن تظهر في الاختبار والمقابلة.


جانب آخر يحتاج إلى أن يكون واضحًا أمام الخريجين. البرنامج يستمر عامًا دراسيًا، وبعد اجتيازه تتاح فرص التعاقد وفق معايير التوظيف والاحتياج الفعلي للوظائف التعليمية. أي إن الحصول على الماجستير المهني لا يعني تلقائيًا الحصول على وظيفة. وهذه نقطة مهمة؛ لأن الطالب سيضيف عامًا جديدًا إلى مساره الدراسي، ومن الطبيعي أن يعرف منذ البداية ما الذي ينتظره بعد ذلك.

رفع معايير الدخول إلى مهنة التعليم هدف مفهوم، لكن المعايير تصبح أكثر إقناعًا عندما تكون واضحة في منطقها، وعندما تمنح المتقدم فرصة عادلة لإثبات كفاءته. لماذا اختير تحديدًا معدل 3.75؟ وهل توجد مؤشرات تؤكد أن من يقل عنه أقل قدرة على النجاح في مهنة التدريس؟ وهل يمكن أن تكون المفاضلة النهائية هي الحكم، بحيث يُنظر إلى المعدل والاختبارات والمهارات والمقابلة معًا؟ القضية ليست رفضًا للتأهيل، ولا اعتراضًا على رفع مستوى المعلم، هي ببساطة: كيف نصل إلى المعلم الأفضل؟ هل نبحث عنه داخل رقم محدد، أم نمنحه فرصة ليكشف ما لديه من معرفة وشخصية ومهارة؟ نافذة: كيف نصل إلى المعلم الأفضل؟ هل نبحث عنه داخل رقم محدد، أم نمنحه فرصة ليكشف ما لديه من معرفة وشخصية ومهارة؟