وبحكم عملي في مكتبة الملك فهد الوطنية، التي تزخر بالعديد من الصور التاريخية النادرة، أجد أمامي يوميًا مشاهد من أزمنة مختلفة. صور معلقة في الممرات والمكاتب، أتوقف أمام بعضها، وأتأمل ما فيها من تفاصيل تكشف جانبًا من حياة الناس والمجتمع في ذلك الوقت. أحيانًا تكفي نظرة إلى شارع أو منزل أو ملامح شخص لنتخيل شيئًا من الحياة التي كانت تدور حوله.
اهتمامي بالصور التاريخية لا يقتصر على ما أشاهده في المكتبة، بل يمتد إلى منصة «إكس»، حيث أتابع حساب «صور قديمة لزمن جميل» للزميل والصديق صالح العضيبي. و لفتني ما يقدمه من صور تاريخية مميزة، يرفقها بتحليلات دقيقة وتعليقات ثرية تكشف جوانب من تاريخها وتفاصيلها. كما ينشر مقاطع فيديو تاريخية بجودة عالية، تعيد عرض مشاهد من الماضي، وتمنح المتابع فرصة للتعرف على ملامح الحياة في تلك الحقب. وما يميز هذا المحتوى أنه يجمع بين متعة المشاهدة والفائدة المعرفية، ويجعل الصورة مدخلًا لاكتشاف التاريخ.
أثناء زيارتي لمنصة «إكس»، لا أنسى توقفي أمام صورة تاريخية نادرة بالأبيض والأسود، نشرها حساب الأديب عبدالكريم الجهيمان، تجمع اثنين من أعلام الأدب والفكر في المملكة: الأديب عبدالكريم الجهيمان والعلامة حمد الجاسر، خلال زيارتهما العاصمة اليونانية أثينا عام 1381هـ/1961م.
يقف الجهيمان إلى اليسار ببدلته الرسمية، بينما يجلس الجاسر إلى جواره بزيه التقليدي، الثوب والبشت والغترة والعقال، وخلفهما مشهد من طبيعة أثينا الجبلية. صورة توثق جانبًا من حياتهما خارج الوطن، في زمن كانت فيه الرحلات أبعد وأقل توثيقًا مما هي عليه اليوم. ومن الجميل أن تصل إلينا مثل هذه اللحظة بعد أكثر من ستة عقود، محتفظة بملامحها وتفاصيلها.
اليوم، دخل الذكاء الاصطناعي مجالًا جديدًا في التعامل مع هذا الإرث البصري. فأصبح بالإمكان تحسين جودة بعض الصور القديمة، وإزالة التشويش والخدوش، وإظهار تفاصيل كانت غائبة بسبب ضعف التصوير أو مرور الزمن. وهذا يمنح كثيرًا من المواد التاريخية فرصة جديدة للوصول إلى الأجيال الحديثة.
لكن تحسين الصورة شيء، وتوثيقها شيء آخر. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يستعيد وضوح التفاصيل، لكنه لا يعرف وحده أسماء الأشخاص أو المناسبة أو تاريخ المكان. هنا تأتي أهمية الأرشيف والمعلومة والباحث الذي يحفظ السياق ويحقق في التفاصيل. فالصورة تصبح أكثر قيمة حين نعرف قصتها.
ربما لهذا أحب الصور القديمة؛ لأنها تجعل التاريخ الذي نقرأه في الكتب أكثر قربًا. صورة الجاسر والجهيمان في أثينا، مثلًا، لا تخبرنا كل شيء عن رحلتهما، لكنها تحفظ لنا لحظة من حياتهما، وتمنحنا فرصة لرؤية الرجلين في مشهد مختلف عن الصور التي اعتدناها.
اليوم نوثق كل شيء بعدساتنا، ونلتقط آلاف الصور دون أن نكتب تحتها شيئًا. والصورة بلا أسماء وبلا تاريخ وبلا مكان، تظل ناقصة مهما كانت واضحة. فالتوثيق هو ما يعطيها معناها، هو ما يخبر من يأتي بعدنا من هؤلاء الأشخاص، وأين كانوا، ومتى التُقطت تلك اللحظة. وإن لم نكتب نحن حكاية صورنا اليوم، لن يجد من يأتي بعدنا، سوى وجوه صامتة بلا حكاية.
الزمن يمضي، والأيام تتبدل، والوجوه التي نراها اليوم قد تغيب غدًا. وتبقى بعض اللحظات معلقة في صورة، تحفظ ملامح أصحابها وتقول لمن يأتي بعدها: كانوا هنا ذات يوم!