هؤلاء الشباب ليسوا طالبي وظائف، بل يمثلون استثمارًا وطنيًا طويل الأمد، فالحكومة التي تنفق على تعليم أبنائها وتأهيلهم في أرقى المؤسسات التعليمية، تفعل ذلك لأنها تؤمن بأن المعرفة قوة، وأن الإنسان هو المحرك الحقيقي للتنمية. رؤية السعودية 2030 جعلت تطوير رأس المال البشري، وتمكين الشباب، ومواءمة المهارات مع احتياجات سوق العمل، من أولوياتها الأساسية. كما تؤكد برامج تنمية القدرات البشرية أهمية إعداد الشباب للوظائف المستقبلية، وتعزيز قدرتهم على المنافسة عالميًا. فإذا عاد الشاب المبتعث ليجد المواقع النوعية ما زالت مشغولة بأشخاص سبق لهم التقاعد، أين يطبق ما تعلمه؟ وأين يجد المساحة التي تمكنه من تحويل المعرفة إلى ممارسة؟ نحن لا نعيش مرحلة إدارية عادية يمكن فيها تأجيل التغيير سنوات أخرى، العالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل طبيعة الوظائف والمؤسسات والخدمات الحكومية والخاصة، لقد أصبح جزءًا أساسيًا من التحول الاقتصادي والإداري في المملكة، وليس مجرد تقنية مستقبلية بعيدة.
تشير التقارير الرسمية إلى أن بناء القدرات الرقمية والمهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يمثل محورًا مهمًا في مسيرة التحول الوطني، في هذا السياق، فإن السؤال عن العمر الوظيفي وحده لم يعد كافيًا، المعيار الحقيقي يجب أن يكون:
من يملك القدرة على التعلم المستمر؟ من يستطيع مواكبة أدوات العصر؟ من يفهم التحول الرقمي؟ من يمتلك مهارات الابتكار وتحليل البيانات؟ ومن يستطيع قيادة المؤسسة نحو المستقبل، لا مجرد إدارة الحاضر؟
وليس المقصود أن كل شاب أكثر كفاءة من كل متقاعد، فهذا تعميم غير عادل. لكن من غير العادل أيضًا أن يُفترض تلقائيًا أن سنوات الخبرة وحدها تمنح الأفضلية، مهما تغيرت طبيعة العمل وتبدلت أدواته. الخبرة مهمة، لكن قابلية التعلم أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى. والمشكلة الأكبر أن بعض المؤسسات قد تتعامل مع إعادة التعاقد باعتبارها حلًا سهلًا: موظف معروف، خبرته مضمونة، ولا يحتاج إلى تدريب طويل. الإدارة التي تبحث دائمًا عن الحل الأسهل تؤجل المشكلة بدل أن تعالجها! توظيف الشخص نفسه مرة أخرى قد يوفر وقتًا، لكنه يحرم المؤسسة من اكتشاف مواهب جديدة. قد يحافظ على نمط إداري مألوف، لكنه يمنع ظهور أفكار مختلفة، وهنا تظهر خطورة ما يمكن تسميته «احتكار الفرص الوظيفية».
الوظيفة العامة أو الموقع القيادي ليس ملكًا شخصيًا لمن شغله سابقًا، ولا ينبغي أن يتحول إلى امتياز قابل للتجديد إلى ما لا نهاية.
إنها مسؤولية وفرصة يجب أن تخضع لمعيار الحاجة والكفاءة والمصلحة العامة، وإذا كانت هناك حاجة حقيقية إلى خبرة المتقاعد، فلتكن الحاجة محددة وواضحة، ولترتبط مدة التعاقد بهدف، مثل نقل المعرفة أو تدريب الكوادر أو تنفيذ مشروع متخصص، أما أن تستمر العقود لمجرد أن المؤسسة اعتادت على وجود الشخص، فهذه ليست إدارة للموارد البشرية، بل إدارة للخوف من التغيير. في كثير من الأحيان، لا يكون العائق أمام الشباب نقص المؤهلات، إنما ثقافة إدارية ترى في التجربة القديمة ضمانًا دائمًا، وفي التغيير مخاطرة. هذه الثقافة، وإن بدت حريصة على الاستقرار، قد تتحول إلى أكبر عائق أمام التطوير.
المؤسسة التي تخشى منح الشباب فرصة لن تستطيع بناء قيادات شابة. والتي لا تسمح للجيل الجديد بالمشاركة في القرار ستجد نفسها بعد سنوات أمام فجوة قيادية يصعب علاجها، لا يمكن أن نطالب الشباب بالابتكار، ثم نضعهم في وظائف هامشية لا تمنحهم فرصة للتجربة.
لا يمكن أن نتحدث عن اقتصاد المعرفة، بينما تظل المعرفة الجديدة خارج دائرة القرار. المستقبل لا يُبنى فقط بالمشروعات والتقنيات الحديثة، بل أيضًا بالثقة في الإنسان الذي سيقود هذه المشروعات. تستفيد المؤسسات من الخبرات المتراكمة دون أن تتحول العودة للعمل، إلى إغلاق دائم للأبواب أمام الشباب.
كما ينبغي أن تخضع إعادة التعاقد لمعايير شفافة، من أبرزها، وجود حاجة فعلية مثبتة، عدم توفر كفاءة وطنية شابة قادرة على أداء المهمة وتحديد مدة التعاقد بوضوح. ربط الاستمرار بمؤشرات أداء حقيقية، كذلك إلزام المتعاقد بنقل المعرفة وتدريب الكفاءات الجديدة ومراجعة الرواتب والامتيازات بما يتناسب مع المصلحة العامة. بهذه الطريقة نحفظ للخبرة مكانتها، ونمنح المستقبل حقه.
تمكين الشباب لا يكون فقط بإطلاق البرامج والمبادرات، بل بإزالة العوائق غير المرئية التي تقف بينهم وبين الفرصة.
الشاب المبتعث الذي عاد إلى وطنه يحمل شهادة من جامعة عالمية، ومهارات في تخصص حديث، وطموحًا للمشاركة في بناء بلده، لا يحتاج إلى خطاب تحفيزي جديد بقدر ما يحتاج إلى باب مفتوح، والمؤسسة التي تستقبل خريجي الابتعاث لا ينبغي أن تنظر إليهم باعتبارهم موظفين جددًا فقط، بل أدوات تغيير يمكن أن تعيد تشكيل طريقة العمل نفسها.