نقد المجمع اللغوي لا يعني التقليل من قيمته الرمزية أو إنكار دوره التاريخي، ولكن لتسليط الضوء على مهامه وبعض تطبيقاته العملية التي صارت تسير تجاه طريق لا يخدم اللغة العربية فعليا. سعي المجمع المحموم تجاه التيسير، أوقعه في مخالفات صريحة لقواعد وقوانين اللسان العربي، وجعله يتنازل عن بعض الضوابط المنهجية التي وضعها أئمة النحو والصرف والمعجم.
من أعظم ما ميز اللغة العربية في جيل الاحتجاج، التوازن الدقيق بين القياس والسماع،حتى تميزت بسمات، أهمها «منطق دقيق في بنيتها الداخلية». لكن المجمع يبدو أنه سلك سلوكا يسمح بفتح باب القياس بلا ضوابط. طبعا الحجة الدائمة لإغلاق أي نقاش يتعلق باللغة هي: «اللغة كائن حي ويتطور».
حجج «التيسير» واللغة كائن حي ويتطور أو العربية قوية وشجاعة، فتحت الباب على مصراعيه لتوليد صيغ غير معهودة في اللسان العربي، ما أدى لولادة مصطلحات ومفاهيم تبدو هجينة وغريبة على الأذن العربية لا تتسق والسليقة الف صيحة. فيهدر الفروق الدقيقة في المعاني التي تصل ماضي اللغة بحاضره، فاعتمد أساليب وتراكيب أخطأ بها الكُتاب المعاصرون أو نقلتها الترجمات الركيكة وعززها بقراراته التسهيلية، حتى أصبحت وظيفته تقتصر على تشريع الأخطاء اللغوية الشائعة، بحجة أن اللغة كائن حي ويتطور، وصارت الأخطاء اللغوية تتكئ على شرعية المجمع.
تتمتع العربية بتراث علمي فريد، أكسبها مع الزمن صفة الثبات ضد عوامل التحور والفناء، ليأتي مجمع القاهرة ويتجاوز هذا التراث بدعوى «التطوير»، مما أحدث انفصاما بين ما يدرسه الطالب في أمهات الكتب وما يُقره المجمع. فقد اشترط علماء العربية الأوائل لتعريب الألفاظ الأجنبية، خضوعها لموازين الكلام العربي واشتقاقاته وأصواته، بينما أقحم المجمع الألفاظ الأجنبية كما هي تقريبا، أو بصيغ تنافر خصائص التركيب العربي ورنينه اللفظي. فبدلا من التفتيش في المعاجم القديمة، والاستفادة من الاتساع الدلالي للكلمات العربية الأصيلة سلك المجمع أيسر الطرق، باعتماده اللفظ الأجنبي ونقله بحروف عربية، مما جعل المعجم العربي المعاصر مليئا بالألفاظ المعربة شكلا والأجنبية روحا.
أدى تساهل المجمع ومنهجيته التيسيرية لصناعة لغة ثالثة هجينة لا هي بالعامية ولا هي بالفصحى التي تميز الثقافة العربية. فالمجمع يعتقد أن اللغة هي ما يمارسه أصحابها بالفعل، ناسيا أن الفصحى هي لغة تراث، لها شكلها المعياري الثابت. مما جعله يتعامل مع أخطاء الصحفيين والمترجمين والكُتاب، لا بصفتها أخطاء لغوية شائعة يجب تصحيحها، بل بصفتها تطورا لغويا يجب تقنينه. وهذا التحول في السياسة اللغوية للمجمع أقرب إلى موثق للأخطاء ومشرعن لها.
كان لهذه السياسة اللغوية آثارها السلبية، التي جعلت الكاتب يستسهل الأسلوب الركيك المترجم، اعتمادا على أن المجمع لمح إلى جوازه.
وهذا سيقود إلى انفصال الأفراد عن النص التراثي. فعندما تتسع الفجوة بين لغة الشارع التي يشرعها ويقننها المجمع، وبين لغة المدونة التراثية (القرآن والحديث والأدب القديم)، يجد القارئ صعوبة هائلة في تذوق وفهم النص القديم، لأنه اعتاد على أساليب مجمعية هشة وركيكة وميسرة بإفراط.